كانت الخطى ثقيلة على رمل الوادي المتحجّر، كأنما تجرّ خلفها كلّ أسرار بيت أبيه. لم يكن يعقوب يهرب من وجه أخيه فقط، بل كان يهرب من ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس بأن البركة التي نالها كانت ثقيلة كجبل. الشمس المائلة نحو المغيب صنعت من ظلّه عملاقاً ممتداً على الأرض اليابسة، لكنه في أعماقه لم يشعر إلا بصبيّ خائف.
اختار للمبيت حجراً رملياً أملس، قد يكون بقايا مجرى نهر جفّ منذ دهور. كانت حجارته تحتفظ بشيء من دفء النهار، فاتكأ عليه وهو يعدّ قليل الزاد. حلّ الليل فجأة، كسقوط ستار من قطران، وأحاط به صمت الصحراء المهيب، صمتٌ فيه همسٌ خفيّ للريح، وصريرٌ بعيد لحشرة، وتنهد الأرض تحت قدميه. نام.
ولكنّ ما حلّ به لم يكن نوماً عادياً. انفتحت السماء فجأةً في حلمه، لا كانفتاح النوافذ، بل كتقشّع حجاب عن حقيقة أبدية. رأى سلّماً هائلاً منصوباً على الأرض، رأسه يلامس السموات، وملائكة الله يصعدون وينزلون عليه. كان صعودهم ليس كصعود البشر، بل كتجلّ نهر من نور، ونزولهم كتنزّل الرّحمات بلطف لا يوصف. وها هو الربّ نفسه واقفٌ عليه، لا بصورة تراها العين، بل بحضرة تشعر بها الروح كلّها، حضور يملأ الحلم رهبةً وطمأنينة معاً.
وصوتٌ ليس كالأصوات: “أنا الرب إله إبراهيم أبيك، وإله إسحاق. الأرض التي أنت نائم عليها أعطيها لك ولنسلك. ويكون نسلك كتراب الأرض، وتمتدّ غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً. ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض. وها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردّك إلى هذه الأرض، لأني لا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به.”
استيقظ يعقوب قبل الفجر، والرعدة لا تزال تعتري جوارحه، لكنها رعدة اخترقتها بهجة غريبة. نظر حوله فلم يرَ السلّم، لكنه شعر وكأنّ حجارة الوادي كلّها ما زالت تترنّم بتلك الرؤيا. “حقاً ما كان الربّ في هذا المكان، وأنا لم أعلم!” همس بصوت مبحوح. خاف وقال: “ما أرهب هذا المكان! ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء.”
أخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه، ونصبه عموداً. ثمّ سكب عليه من زيت الزيتون الذي كان معه، فصار اللمعان الخافت يتلعثم على سطح الحجر كصلاة صامتة. وعهد عهداً، ليس كصفقة، بل كنداء من قلب أدرك أخيراً أنّ البركة الحقيقية ليست ما يُأخذ، بل ما يُعطى بالوعد الإلهي: “إن كان الله معي، وحفظني في هذه الطريق… فإنّ الربّ يكون لي إلهاً. وهذا الحجر الذي نصبته عموداً يكون بيت الله. ومن كلّ ما تعطيني، فإني أعشّرك.”
لم تكن الأرض حينها قد ابتلّت بالفجر بعد، لكنّ نوراً جديداً أشرق في صدره. التقط عصاه، ونظر نحو الطريق الشرقيّة حيث تقف خلوة حران. كانت الخطى الآن أقلّ ثقلاً، وكأنّ حلم بيت إيل رصف له درجات من نور على دروب العالم الواسعة.




