الكتاب المقدس

انتصار باشان وعهد النصر

فكانت تلك الأيام التي تلت انتصارنا على سيحون، أيامٌ ثقيلة برائحة التراب والحديد والدم الجاف. لم يكن عندنا وقتٌ للراحة، فقد جاءنا الخبر بأن عوج ملك باشان قد خرج بجيشه الجرار، كل أولئك الرجال الطوال كأشجار الأرز، يقصدُنا ليحطمنا. كنّا نشعر بالتعب في عظامنا، لكن قلوبنا كانت معلقة بكلمة الرب التي وعدتنا بها.

تذكرتُ وجه عوج حين رأيته من بعيد، يقف كالبرج فوق مركبته الحديدية. كانت أرض باشان خلفه، تلك الأرض المغرية بخضرتها وخصبها، بجبالها التي تلامس السحاب ومدنها المحصنة بأسوارٍ عالية. مدينة أذرعى خاصة، تلك التي بناها العمالقة، كان سورها من حجر البازلت الأسود، وأبوابها من خشب السنديان العتيق، يُقال إنها لا تُقهر. لكننا لم ننظر إليها بعيون الراغبين في ملكٍ أرضي، بل بعيون من ينفذ أمرًا إلهيًا.

قال لي الرب في تلك الليلة، ليلة القلق التي سبقت المعركة، قال: “لا تخف منه، لأني قد دفعته بيدك هو وجميع قومه وأرضه.” كانت الكلمات تتردد في أذنيّ بينما كنت أحدق في نار المخيم، وأرى انعكاس اللهب على وجوه الرجال النائمة، وجوهٌ منهكة لكن عليها سكينة غريبة. كنا نعلم أن القوة ليست في سيوفنا، ولا في عددنا. كانت في ذاك الوعد القديم.

وعند الفجر، التقى الجمعان في سهل واسع عند أذرعى. كان صباحًا ضبابيًا، يتخلله برودةٌ تخترق العظام. صرخات الرجال وقعقعَة الدروع والأسلحة امتزجت مع صهيل الخيول. ثم اندلعت المعركة. لم تكن كأي معركة خضناها من قبل. كان هناك شيءٌ مقدس ومخيف في ذلك اليوم. كنا كمنفذين لحكمٍ قدري، ليس انتقامًا لذواتنا، بل تنفيذًا لإرادةٍ أكبر منا جميعًا. رأيت عوج بنفسي، ذلك العملاق، يترنح تحت ضربات رجالنا، ليس لأنهم أقوى جسديًا، بل لأن روح الرب كانت تحارب معنا. سقطت أذرعى، تلك المدينة العظيمة، وسقطت كل المدن، حتى لم يبقَ منها حصنٌ واحد قائم.

وبعد الصخب جاء السكون، سكونٌ مُربك. مشيتُ بين أنقاض الأسوار المدمرة، وأقدامي تغوص في غبار الحجارة والخشب المحروق. رأيت غنائم لا تحصى: قطعان البقر والغنم بأعدادٍ تفوق التصور، وأسلحة من حديدٍ منصهر، وأوانٍ منزلية نقش عليها أشكال آلهة باشان الباطلة. أمرت بحرق الأخيرة وتطهير ما تبقى بالنار. لا مكان للأصنام في الأرض التي يسير فيها الرب.

ثم جاء وقت القسمة. وقفتُ أنا والكهنة وأمراء الأسباط على تلك الهضاب المطلة على الأرض الموعودة. من هناك، رأينا وادي الأردن يمتد كشريطٍ فضي تحت أشعة الشمس الغاربة، ورأينا أريحا، والنخيل، والجبال التي وراءها. كانت هناك، لم تكن حلماً. لكن الرب قال لي: “كفاك. لا تعبر هذا الأردن.” كانت الكلمات كسهمٍ في القلب، لكنها كانت عادلة. كانت مشيئته.

فقسّمنا الأرض التي فتحناها شرقي الأردن. أعطيتُ رؤوبين وجاد نصف جبل جلعاد، أرض المراعي الغنية التي تصلح لمواشيهم الكثيرة. وأعطيتُ النصف الآخر وناحية أرجوب، أرض العمالقة، لسبط منسى. تذكرت كيف قتلنا العمالقة هناك، وكيف محونا ذكراهم. الآن سيسكن أبناؤنا في مدنهم المحصنة، في سالحة وجنوب حتى وادي حرمون.

ونصحت يشوع، ذلك الشاب الذي كانت عيناه تتقدان حماسة وإيمانًا. قبضتُ على كتفيه، وشعرت بصلابة عظامه تحت ردائه. قلت له: “عَيْنَاكَ الْتِي رَأَتْ كُلَّ مَا فَعَلَ الرَّبُّ إِلهُكُمْ بِهَذَا الْمَلِكَيْنِ، هَكَذَا يَفْعَلُ الرَّبُّ بِكُلِّ الْمَمَالِكِ الَّتِي أَنْتَ عَابِرٌ إِلَيْهَا. لا تَخَفْهُمْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ الْمُحَارِبُ عَنْكُمْ.” كان صوتي أجشًا من التعب والزمن، لكنني أردتُ أن أنقل إليه الثقة التي لا تتزعزع، ثقةٌ تعلمتها في سنوات الضيق والمناجاة.

والآن، وأنا هنا في سهول مؤاب، والشمس تميل للمغيب، تطبع أشعتها الذهبية على وجه الجبل المقابل، أجد نفسي أتأمل. ذكريات المعارك والرحلات الطويلة تمر كسحبٍ سريعة. لا أشعر بالمرارة لأنني لن أعبر. بل أشعر بسلام غريب. لقد كنا أدوات في يد صانع التاريخ، نحن الجيل الذي حمل الوعد وحارَب من أجله، لكن تحقيق الوعد الكامل سيكون لأبنائنا. سينظرون إلى الوراء، إلى هذه الأيام، ويتذكرون. ويتذكرون أن النصر لم يكن بقوة الساعد، بل بقوة العهد الذي لا يُنكث. وربما، هذا هو المعنى الحقيقي لكل شيء.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *