الكتاب المقدس

تدشين المسكن: عطاء القلوب المقدسة

في اليوم الذي أكمل فيه موسى إقامة المسكن ومسحه وقدسه مع كل آنيته، والمذبح مع كل آنيته ومسحها وقدسها، جاء رؤساء إسرائيل، رؤوس بيوت آبائهم، الذين كانوا رؤساء الأسباط والواقفون على المعدودين.

كان الجو لا يزال يحمل عبق أرضية البرية الرطبة بعد الفجر، ونسيم الصباح الباكر يداعب أطراف ستائر المسكن المزركشة. اجتمعوا أمام الخيمة، وجوههم تحمل مسؤولية التاريخ ورهبة اللحظة. كانت قلوبهم ممتلئة بفرح غريب، فرح الشعب الذي له مكان يقترب فيه إلى الإله الحي.

فتقدموا بقرابينهم أمام الرب، ست عجلات مغطاة واثني عشر ثورًا. كل عجلة كانت مقابل رجلين من الرؤساء، وكل ثور مقابل واحد. قدموها أمام المسكن.

وكان صوت الرب واضحًا وكريمًا في ذلك اليوم: “خذها منهم فتكون لخدمة خيمة الاجتماع، وأعطها للاويين، لكل واحد حسب خدمته.”

فأخذ موسى العجلات والثيران وأعطاهم للاويين. أما عجلتي العجلة وأربعة من الثيران فأعطاهم لبنى جرشون حسب خدمتهم. وأربع عجلات وثمانية ثيران أعطاهم لبنى مراري حسب خدمتهم. وأما بنو قهات فلم يعطهم شيئًا، لأن خدمة القدس عليهم، على الأكتاف يحملون.

ثم جاء الرؤساء لتدشين المذبح في يوم مسحه. قدموا قرابينهم أمام المذبح. وقال الرب لموسى: “رئيس واحد في اليوم، رئيس واحد في اليوم، يقدم قربانه لتدشين المذبح.”

وكان من حسن حظ ناحشون بن عميناداب من سبط يهوذا أن يكون أول من تقدم. في اليوم الأول، جاء بما يشبه الفجر الباكر في قلبه: طبق من فضة وزنه مئة وثلاثون شاقلاً، ووعاء من فضة واحد سبعون شاقلاً بالشاقل المقدس، كلاهما مملوءان دقيقًا ملتوتًا بزيت لقربان. كف من ذهب عشرة شواقل مملوءة بخورًا. ثور من البقر، كبش واحد، خروف واحد ابن سنة لمحرقة. تيس من المعزى ذبيحة خطية. وللسلامة: ثوران، كبشان، خمسة جداء، خمسة خراف ابن سنة.

كان موسى يلمس كل قطعة بخشوع، وكأنه يلمس حلمًا تحقق بعد سنوات العبودية. كانت فضة الطبق تلمع تحت شمس الصحراء المائلة، والذهب في الكف يلمع كقطعة من النور المجمد.

وفي اليوم الثاني، تقدم نثنائيل بن صوغار رئيس يساكر. قدم نفس القربان بالضبط، نفس الوزن، نفس العدد. ولكن الروح كانت مختلفة. كان نثنائيل رجلًا هادئًا، قادمًا من سبط معروف بالحكمة والفهم في الأزمنة. مشيته إلى المذبح كانت متأملة، وكأن كل قطعة يقدمها كانت كلمة في صلاة طويلة.

وهكذا جاء كل يوم، كفصل جديد في سيمفونية واحدة. اليوم الثالث: ألياب بن حيلون رئيس بني زبولون. اليوم الرابع: أليصور بن شديئور رئيس بني رأوبين. في كل مرة، كانت الهدايا متطابقة في المادة، لكن الوجوه مختلفة، والقصص وراء كل رئيس مختلفة، والنيابات التي يحملونها عن أسباطهم المختلفة.

كان بعضهم يتقدم بخطى واثقة، وجوههم تحمل وقار الزعماء. وبعضهم كانت أيديهم ترتعش قليلًا عندما يسلمون وعاء الفضة، خوفًا من أن لا يكون مقبولًا. كان موسى يقبل الجميع بنظرة واحدة، نظرة تقول: “القلب هو الميزان”.

جاء اليوم الحادي عشر، وفيه تقدم أحيعازر بن عميشدداي رئيس بني أشير. وكان هناك شيء مؤثر في عينيه. سبط أشير سيكون في المستقبل غنيًا بزيتونه، ولكن هنا في البرية، كانت هداياهم هي نفس هدايا الآخرين، لا فرق بين غني وفقير أمام قدسية المذبح.

وأخيرًا، في اليوم الثاني عشر، تقدم أخير بن عينان رئيس بني نفتالي. اكتملت الدائرة. اكتملت أيام التدشين الاثنا عشر، كأنها إعلان عن اكتمال شعب الله، كل جزء منه له مكانه، وكل جزء يقدم أفضل ما عنده، وكل جزء مقبول.

وفي النهاية، جمع موسى كل شيء، ودخل إلى خيمة الاجتماع ليكلم الرب. وكان الصمت عميقًا في المحلة. صمت ينتظر بركة، صمت ينتظر قبولاً.

وكانت النتيجة مجردة في سفر الأرقام، ولكن في قلوب الذين عاشوا تلك الأيام، كانت حكاية مختلفة: حكاية شعب تعلم أن القداسة تبدأ بالقلب المقدم، وبالهدية المتواضعة، وبالطاعة في التفاصيل. وأن الله الذي يقبل طبق فضة من رئيس، هو نفسه الذي سيقبل في الأزمنة البعيدة، قلب الإنسان التائب، مهما كان بسيطًا.

لذلك، عندما نقرأ الأعداد المتكررة، لا نرى تكرارًا، بل نرى إيقاعًا مقدسًا، مثل نَفَس الشعب الجماعي في صعداء واحدة. كل “طبق من فضة وزنه مئة وثلاثون شاقلاً” كان حرفًا في رسالة محبة كتبها اثنا عشر سبطًا إلى إلههم. والله احتفظ بالرسالة كلها، وسجلها في سفر الذكرى الأبدي.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *