في اليوم الذي أكمل فيه موسى إقامة المسكن ومسحه وتكريسه، جاءت وجوه شيوخ إسرائيل، رؤساء بيوت آبائهم، الذين كانوا وقوفاً أمام الرب. وكانت قلوبهم تعتمل بالخشوع، وأعينهم لا تفارق خيمة الاجتماع التي صارت مقاماً للرب بينهم. حملوا معهم عربات وثيراناً، وقدموها قرباناً أمام المسكن.
وكان الكلام الإلهي قد نزل على موسى قائلاً: “خذ منهم هذه العربات والثيران، ودفعها إلى اللاويين، لكل واحد حسب خدمته”. فقبل موسى العطايا، ونظر بعينين حكيمتين إلى تلك الثيران القوية، والعربات المصنوعة من خشب السنط المتين. كان خشبها لا يزال يحمل رائحة الصحراء، ورائحة عرق الأيادي التي نحتته. سلمها موسى للاويين، أعطى جرشون ابنى لعجلتين وأربعة ثيران، ومراري أربع عجلات وثمانية ثيران، تحت يد إيثامار بن هرون الكاهن. أما بنو قهات فلم يعطهم شيئاً، لأن خدمتهم كانت حمل المقدسات على أكتافهم.
ثم جاء اليوم العظيم، يوم التدشين. اقترب الرؤساء، رؤساء أسباط إسرائيل، الذين كانوا قائمين على الإحصاء. وقدموا قرابينهم أمام الرب: ست عجلات مغطاة، واثني عشر ثوراً. وكانت العجلات تتألق تحت شمس الصحراء، والثيران تقف في صبر، كأنها تدرك عظمة اللحظة.
وفي اليوم الأول، قدم نحشون بن عميناداب، رئيس سبط يهوذا. جاء بوجهه المشرق بإيمان عميق، وقدم طبقاً من فضة، وزنها مئة وثلاثون شاقلاً، وملءً من فضة سبعين شاقلاً بوزن القدس. كلاهما مملوءان دقيقاً ممزوجاً بزيت لقربان. قصعة من ذهب، وزنها عشرة شواقل، مملوءة بخوراً. ثوراً واحداً من البقر، كبشاً واحداً، خروفاً واحداً حولياً لمحرقة. وتيساً واحداً من المعزى لذبيحة خطية. ولذبيحة السلامة: ثوران، خمسة كباش، خمسة تيوس، خراف حولية خمسة.
وكان موسى يقف عند باب خيمة الاجتماع، يستقبل كل قربان بشكر. وكان هرون وأبناؤه يساعدون في الترتيب. رائحة البخور تفوح في الهواء، تمتزج برائحة التراب والخشب والجلود. صوت الثيران المنخفض، وخطوات اللاويين المنتظمة، كلها كانت تشكل نغمة مقدسة.
وفي اليوم الثاني، قدم نثنائيل بن صوغار، رئيس سبط يساكر. وقدم نفس القربان، بنفس الأوزان، بنفس العدد. لكن نظرة نثنائيل كانت مختلفة، فيها شيء من التأمل العميق. كأنه يتذكر كيف حمل سبطه نعمة البصيرة والفهم.
ثم في اليوم الثالث، أقام أليآب بن حيلون، رئيس بني زبولون. جاء بخطى واثقة، وعينيه تلمعان بحب العطاء. وقدّم قرابينه بنفس الدقة، بنفس الإيمان. وكانت أياديه القوية تقدم الطبق والقصعة والذهب، كأنها تقدم قلبه قبل مقتنياته.
وهكذا مضت الأيام، كل يوم رئيس، كل يوم سبط. أليصور بن شديور لرأوبين، وشلوميآب بن صوريشداي لشمعون، وأليسافع بن دعوئيل لجاد، وأليشمع بن عميهود لأفرايم، وجمليئيل بن فدهصور لمنسّى، وأبيدان بن جدعون لبنيامين، وأخيراً أخيعزر بن عميشداي لبني دان، وفجئيئيل بن عكران لأشير، وعليآب بن عينان لبني نفتالي.
كلهم قدموا نفس القربان، نفس الأوزان، نفس العدد. لكن موسى كان يرى في كل تقدمة لوناً مختلفاً من الإخلاص. كان يرى في عيونهم تاريخاً مختلفاً، رحلة مختلفة في البرية، لكن قلوبهم اتجهت نحو نفس الرب.
وفي نهاية الأيام الاثني عشر، حسبت جميع فضة الأواني ألفان وأربعمائة شاقل، وزن القدس. أطباق الفضة اثنا عشر، قصاع الفضة اثنا عشر. والذهبية اثنا عشر، مملوءة بخوراً. الثيران للمحرقة: اثنا عشر ثوراً، مع قرابينها. التيوس لذبيحة الخطية: اثنا عشر تيساً. وذبائح السلامة: أربعة وعشرون ثوراً، ستون كبشاً، ستون تيساً، ستون خروفاً حولياً.
وكان موسى يدخل خيمة الاجتماع ليكلم الرب. وكان يسمع الصوت منادياً عليه من فوق الغطاء، من بين الكروبين. صوت يملأ الخيمة، يملأ قلبه، يذكر بالعهد. كانت تلك القرابين ليست مجرد معادن وحيوانات، بل كانت علامات على عهد، على شركة، على شعب اختاره الرب ليكون له خاصة.
وفي صمت الليل، حين كانت النار تلهب المحرقة، وكان دخان البخور يصعد كصلاة صامتة، كان موسى يتذكر وجه كل رئيس، ونظرة كل عين. كان يتذكر كيف أن العطاء جعلهم واحداً، كيف أن التقدمة وحدتهم أمام القدوس. وكان يعلم أن الرحلة طويلة، والصحراء قاسية، لكن هذا المسكن، وهذه القرابين، كانت تذكاراً أن الرب بينهم، لا يتركهم، ولا ينساهم. وأنهم، رغم ضعفهم وتذمرهم، هم شعبه، وهم حملة وعده.




