الكتاب المقدس

مسح داود في بيت لحم

كان اليوم ثقيلاً على صموئيل. ثقل السنين، وثقل الذكرى، وثقل الوحي الذي تمزق في صدره كصرخة مكتومة. مشى بطيئاً نحو بيت لحم، وتراب الطريق يعلو نعليه البليتين. كانت عيناه، العينان اللتان رأتا مجداً ودماراً، تنظران إلى الجبال المحيطة بالقرية الصغيرة كأنها أسوار تحبس رعباً ما. “كيف أذهب؟” كان السؤال لا يزال يحترق في فمه. “إن سمع شاول فسيقتلني.” ولكن أمر الرب كان أقوى من خوفه، أقوى حتى من صداقة قديمة انقلبت رماداً.

استقبله شيوخ بيت لحم وهم يرتجفون. وجه النبي المعتم، والعباءة القديمة، والصولجان الذي لم يعد يحمل إلا سلطة السماء المرة، كلها بشرت بحدث جلل، أو بكارثة. “هل في مجيئك سلام؟” سألوه وأصواتهم تكاد تتكسر. “في سلام”، أجاب، وصوته كحجر أملس يسقط في بئر. “جئت لأذبح للرب. تقدسوا وتعالوا معي إلى الذبيحة.”

وكان يسى بينهم، رجلاً صلباً كشجرة زيتون عتيقة، فسأله صموئيل أن يأتي بأبنائه. اجتمعوا حول مذبح الحجارة المكدس في أرض مرتفعة، حيث رائحة الزعتر البري تختلط برائحة الخوف المقدس. وصعد البكر أليآب. طويل القامة، عريض المنكبين، وعيناه كعيني جندي ملك. نظر صموئيل إليه وقال في سره: “حاشا للرب أن يختار على مظهر الطول أو بهاء الصورة.” مر شمّة، ثم أبيشاي، ثم سبعة من الشباب القساة الوجوه، الواثقين بحركتهم. بعد كل واحد، يهتف صموئيل في داخله: “ليس هذا، ليس هذا أيضاً.”

سقطت لحظة من صمت ثقيل. “هل أعطيتني جميع غلمانك؟” سأل صموئيل، وصوته يحمل تعب البحث.

تلكئ يسى قليلاً، كمن يذكر أمراً تافهاً نسيه. “بقي الصغير. هو في البرية يرعى الغنم.”

“أرسل فأتِ به”، قال النبي، ولا يعرف لماذا، إلا أن قلبه بدأ يدق كطبل بعيد. “لن نضع حتى يجيء.”

وحين جاء، كانت الشمس تميل نحو الغروب، فتنسج خيوطاً من ذهب حول شخص ذلك الفتى الذي دخل وعرق الرعي على جبينه، ورائحة الأرض والحرية تسبقه. عيناه لم تكونا كعيني أخيه المحارب، بل كعينَي غزال في الصباح، عميقتين، تحملان فرحاً غريباً وحدساً قديماً. شعره أشقر محمر من حرارة الشمس. “قم امسحه”، قال صوت الرب في أذن صموئيل، “فهذا هو.”

فأخذ صموئيل قرن الدهن المقدس، ودهن رأس داود هناك وسط إخوته المتعجبين، المحتقرين. ولم يكن عندها صعود جيش، ولا هتاف شعب، ولا أية علامة في السماء. فقط فرقعة زيت على الشعر، ونفحة ريح دافئة مرت على الوجوه. ولكن من تلك اللحظة، حلّ روح الرب على داود بقوة، بينما كان روحٌ آخر، روحٌ رديء، يبدأ في النزول على شاول الملك في القصر البعيد، ليعذبه في ظلماته.

ومشى صموئيل عائداً، والليل يلفّ الجبال. نظر إلى الوراء مرة واحدة نحو بيت لحم النائمة، التي لم تعد كما عرفها. كان فيها الآن راعٍ صغير، يمسك بقضيب بسيط، وفي قلبه سرٌ عظيم سيهز عروش الأرض كلها. وابتسم النبي، للمرة الأولى منذ زمن طويل، ابتسمة خفيفة كأنها ذكرى سلام لن يأتي إلا بعد دماء كثيرة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *