الكتاب المقدس

سقوط شاول في جلبوع

وكان اليوم قد مال نحو الغروب، لكنّ الشمس خلف السحب الكثيفة لم تكن سوى بقعة شاحبة في سماء من رصاص. على مرتفعات جلبوع، كان الهواء ثقيلاً بروائح التراب المقلوب، والعرق، والحديد، والرائحة الحادة التي لا تخطئها نفس، رائحة الخوف. كانت حشود جيش الفلسطينيين تتحرك كجسم واحد ضخم، صاعدين من السهل ببطء مرعب، بينما تراجعت خطوط إسرائيل، ممزقة، منهكة، تترك وراءها آثاراً من دروع مكسورة وصرخات مكتومة.

وكان شاول الملك واقفاً على تلّة مرتفعة، تنحني قامته التي كانت يوماً مهيبة تحت وطأة الدرع الثقيل. نظر بعينين غائرتين إلى المذبحة التي تتكشف أمامه. لم تعد هذه هي المعارك الأولى التي يخوضها بثقة الشباب، بل كانت نهاية طريق طويل من الظلال. تذكر كيف كان الروح يهبط عليه أحياناً فيسال، فيتنبأ بقوة، ولكن الآن، لم يكن يسمع سوى دويّ الهزيمة ينمو في أذنيه. أصابته سهام الرماة من بعيد، واحد، ثم اثنان، فاخترقت النشاب عضلاته وتغلغلت في لحمه، حتى أحسّ بالدفء الثقيل للدماء تسيل تحت الدرع، تلتصق ثيابه بجلده.

هتف لِحامل سلاحه، وصوته أجشّ من القتال: “استل سيفك واطعنّي به لئلاّ يأتي هؤلاء القلف ويطعنوني ويُهينوني”. ولكن الرجل ارتعد، وامتنع امتناعاً عظيماً، لأن قلبه خاف من مسّ مسيح الربّ. ارتعشت يداه ولم يقوَ على فعل ذلك. عندئذٍ، أدرك شاول كامل اليأس، وكأن كل الظلمات التي لاحقته سنوات قد تجمعت في هذه اللحظة. أمسك بجذع سيفه، ونظر للحظة واحدة، قصيرة كلمح البصر، إلى السماء العاتمة. ثم وضع نصل السيف تحت إبطه، واتكأ على بقيته بكل ثقل جسده المنهوك وروحه المكسورة.

سقط جثمان الملك على تراب جلبوع، التراب الذي دافع عنه يوماً، فأصبح قبره. وحامل سلاحه، لما رأى أن سيده قد مات، فعل كفعله، ووقع على سيفه ومات معه. وهكذا مات شاول وبنوه الثلاثة، وبقيّة بيته، معاً في ذلك اليوم العاصف.

وبعدما انتصر الفلسطينيون، شرعوا يجولون بين القتلى ليخلعوا السلاح ويأخذوا الغنائم. فوجدوا جثمان شاول وبنيه ساقطين على التلّة. فقُطع رأسه، ونزعوا سلاحه، وأرسلوا الرأس والسلاح في أرض فلسطين ليُطاف بهما، بُشرى النصر المزعوم، في بيوت أصنامهم. وعلقوا سلاحه في بيت آلهتهم، وجعلوا رأسه في بيت داجون. لقد أرادوا أن يجعلوا من سقوط مسيح الربّ نُصباً لعزّتهم الوثنية.

وعلى الجانب الآخر من نهر الأردن، في يابيش جلعاد، سمع الرجال الأشداء، الذين لم ينسوا جميل شاول يوم أن خلّصهم من عيون العمونيين، بما فعل الفلسطينيون بملكهم. فقام كل ذي بأس، وساروا طوال الليل، واخترقوا خطوط العدو، وأخذوا جثث شاول وبنيه من سور بيت شان حيث علّقها المنتصرون. وحملوها إلى يابيش، وأحرقوها هناك، ودفنوا عظامهم تحت تَينة كبيرة، وصاموا سبعة أيام، حداداً على ملك اختاره الربّ ثم رفضه، وعلى رجال سقطوا في يوم واحد.

وأما داود، في صقْع بعيد، فلما بلغه الخبر، لم تكن فرحة في قلبه، بل كان الحزن العميق. ولو أن الطريق إلى الملكوت قد صارت أوسع أمامه، إلا أنه تذكر الرجل الذي توجَّه ذات مرة، والذي طارده في البراري. فأخذ يمزق ثيابه، وينتحب مع رجاله حتى المساء. ثم رتل مرثاة لم يسجلها الكتبة كلها، لكن بعض كلماتها ظل يتردد: “يا جبال جلبوع، لا ينزل عليكم طل ولا مطر، ولا تكونوا حقول نُذور، لأن هناك ترس الجبار قد نُبذ، ترس شاول كأنه لم يمسح بالزيت”. لقد رأى في سقوط شاول ليس مجرد هزيمة عسكرية، بل علامة على هول الارتداد، عندما تبتعد القلوب فيتخلى عنها النصير. كان درساً لمن سيأتي بعده، ملكاً حسب قلب الله: أن العزة لا تكمن في السيف ولا في العلو، بل في القلب المنسحب إلى صوت الربّ، راعي إسرائيل الحقيقي، الذي تبقى مراحمه من دور إلى دور.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *