في تلك الأيام التي بدت كأنها دهاليز مغلقة من حجر، حيث كان الظل يمتد في داخلي قبل أن يمتد على الأرض، وجدت نفسي أصرخ من الأعماق. لم يكن المرض مجرد حرارة في الجسد، بل كان كتلة صمت ثقيلة تستقر في النَفَس. كانت الليالي تطول، كقماش أسود يمتد ولا ينتهي، وأصبح صوتي، الذي اعتاد أن يملأ المكان بالحمد، همساً لا يخترق حجاب الضعف.
كنت أرى وجهي في مرآة الماء كأنه وجه غريب، شاحباً، تتسلل إليه ظلال الموت رويداً رويداً. قال الأصدقاء، بأعين فيها رحمة وخوف، إنني “نزلت إلى الجب”. وكانوا محقين. لم يكن الجب حفرة في الأرض، بل كان فراغاً في الروح، إحساساً بأن العلي قد أخفى وجهه عني، فتهاوت كل الألوان وتحول العالم إلى درجات من الرمادي.
وفي قمة هذا الغروب، حيث تذوب كل المعاني، تذكرت. تذكرت نداءً قديماً، كلمة صغيرة لكنها صلبة كالصوان: “الرحمن”. لم أنطقها أولاً، بل تلمستها في ظلام فمي كحبة قمح ضائعة. ثم انطلقت. لم تكن صلاة مرتبة، بل كانت زفير يائس، قولاً ممزقاً: “يارب، إليكَ أصرخ. إليكَ وحدكَ. ما الفائدة من دمي إذا نزلت إلى الجب؟ هل سيحمدك التراب؟ هل يخبر بصدقك الغبار؟”
وكانت الأيام التي تلت كالانتظار على شاطئ بحر هائج، لا تعرف إذا كان القادم موجة إنقاذ أو موجة إفناء. ثم، في صباح ما، كان ضوء الشمس مختلفاً. لم يكن مجرد نور، بل كان حنياً. شعرت به يداً دافئة ترفع الجبل عن صدري. النَقْه لم يأتِ كصاعقة، بل كمدّ البحر، بطيئاً، يقبِل رويداً حتى يملأ كل شقوق الجسد الروح.
جلسَتْ أمي على حافة فراشي، وكانت عيناها تبتسمان قبل شفتيها. قالت: “الظل قد انكسر”. وكنت أشعر بذلك. كان الهواء الذي أدخله إلى صدري خفيفاً، كأنه حرير. وقفت، ليس كمن ينهض من سقوط، بل كمن يولد من جديد، خطوة خجولة على الأرض الصلبة، ثم أخرى، حتى وقفت تحت السماء المفتوحة.
لم أستطع حبس ما في داخلي. انفجر الحمد كسيل جبلي بعد ذوبان الجليد. غنيت، ليس لأنني أملك صوتاً جميلاً، بل لأن الصوت نفسه كان هبة. قلت: “حمداً لك، يا رب، لأنك غضبت عليّ ساعة، ولكن برحمتك تعيش حياتي. بكاءٌ قد يبيت عند المساء، ولكن في الصباح تهبّ صيحة الفرح”.
لبست ثياباً نظيفة، بيضاء، ووضعتُ على رأسي دهن البهجة. رقصت، ليس رقصة المرء أمام الناس، بل رقصة الروح أمام ملك الملوك. تحولت أحزاني إلى دائرتي فرح، وأصبحت ليلى الطويل ذكرى أتذكرها لأقول: “ها أنذا. كنتُ هناك، والآن أنا هنا، وكل ما بينهما هو قصيدة رحمتك”.
والآن، وأنا أجلس تحت شجرة تيننا، أسمع أطفال الحي يلعبون، وأرى غيمة بيضاء تسير في طريقها ببطء، أعرف يقيناً. أعرف أن نعمة الله هي كالجبال حولنا، قد نغفل عنها أحياناً، ولكنها تظل ثابتة. قد تختبئ في حجاب الغضب أو التجربة، لكن قلبها الأبدي هو الحب. ولذلك أقول لكل من له أذن: “اسمعوا، وافرحوا معي، أيها الأتقياء، ورددوا تسبيح اسمه القدوس، لأن غضبه لحظة، ولكن رضاه حياة. والنوح قد يسكن ليلاً، لكن الفرح، فرح النجاة، يأتي مع النهار”.




