فكانت السَّماءُ فوقَ صحراءِ عوصَ كَقماشةٍ مِنَ النُّحاسِ المُحمَّى، تَثْقُلُ على الأكتافِ وَتُذيبُ اللَّهَفةَ في الحَلقِ. وَفي وَسَطِ ذاكَ الفَضاءِ الأصمِّ، المُطفَأِ الصَّوتِ، جَثَمَ أيُّوبُ كَجِذْعِ شَجَرَةٍ محروقٍ. لَم تَعدْ تُؤلِمُهُ القُرُوحُ، ولا حِكَّةُ السَّمِّ في عِظامِهِ. كَانَ الألَمُ قَد تَجاوَزَ حِدَّةَ الوَخْزِ إلى فَضَاءٍ آخَرَ، فَصارَ كَتِلكَ الصَّحراءِ: شاسِعاً، صامِتاً، خالِياً مِنْ مَعنى. وَهوَ يَحُكُّ ظَهرَهُ على صَخرَةٍ خَشِنَةٍ، تَذَكَّرَ أَصواتَ أَبنائِهِ قَبْلَ أَن تَبتَلِعَهُم الرِّيحُ. تَذَكَّرَ نَديَّ عَرقِ البَقَرِ تَحتَّ يَدِهِ وَهوَ يَحمِلُهُ مِنَ الحُفَرِ. ذَهَبَ كُلُّ شَيءٍ.
ثُمَّ، مِثلَ نَفَسٍ بارِدٍ يَخرُجُ فَجأةً مِنْ صَدَعٍ في الأَرْضِ، جاءَ الصَّوتُ. لَم يَكُنْ صَوتاً يَهُزُّ الجِبالَ كَما سَمِعَ قَبلَ أيّامٍ، بَلْ كانَ كَهَمْسِ النَّخْلَةِ العالِيَةِ وَهيَ تَتَمايَلُ. كانَ أقربَ إلى الحُنُوِّ المُقَدَّسِ.
“أَيْنَ أنتَ الآنَ، يا أيُّوبُ؟ هَل تَستَطِيعُ أَن تُنْزِعَ هَذا اللَّيلَ عَنِ السَّماءِ؟ هَل تَقدِرُ أَن تَجعَلَ لِلْفَجْرِ خُطُواتٍ يَمشي بِها إلَيَّ؟”
وَبَدَأَتِ الرُّؤْيا تَتَّسِعُ. لَم يَكُنْ حَدِيثاً عَنِ البَقرِ وَالحَمِيرِ وَلا عَنِ الأَرضِ وَحُدُودِها. كَأنَّما الأغْطِيَةُ كُلُّها قَدْ انْسَحَبَتْ، فَإذَا الأَرْضُ تَحتَ قَدَمَيْ أيُّوبَ تَرتَعِشُ كَجِلْدِ طَبْلٍ. وَرَأى.
رَأى كائِناً يَخرُجُ مِنْ أَعْماقِ الأَرْضِ، لَيْسَ بَهِيمَةً وَلا وَحْشاً كَالَّتي يَعْرِفُ. كانَ كَالتَّلِّ الحَيِّ، لَحمُهُ كَالحِجارَةِ المُتَراصَّةِ، وَعَظْمُهُ كَأَعْتابِ البُيوتِ الصَّخْرِيَّةِ. ذَنَبُهُ كَأَرْزَةٍ عَتِيقَةٍ تَخْطَفُ بِها الجَبَلَ. كانَ يَرْتَعُ كَالْبَقَرِ، وَيَرْكُضُ كَثَوْرِ البَرِّيَّةِ، وَيَرْقُدُ تَحْتَ أَظِلَّةِ الأَسَلِ، مُخْتَبِئاً فِي أَجْرَافِ النَّهْرِ. وَعِندَما يَشرَبُ، تَجْفُ الأَنْهارُ، وَتَخافُ كُلُّ حَيَوَانَاتِ الوَادِي.
وَهنا، تَوَقَّفَ الصَّوْتُ الهَامِسُ، كَمُعَلِّمٍ يُعْطِي طالِبَهُ وَقتاً لِيَهْضِمَ.
“هَذِهِ البَهيمُوتُ. خَلَقْتُهُ مَعَكَ. أَتُعطِيهِ قُوَّتَكَ؟ أَتُلْبِسُهُ نُعومَةَ صَوتِكَ؟ مَنْ يَقِفُ أمامَهُ وَيَبقى حَيّاً؟ كُلُّ شَيءٍ تَحتَ السَّمَواتِ هُوَ لِي.”
ثُمَّ، كَالْمَرْءِ الَّذِي يَفْتَحُ دُرْجَاً آخَرَ مِنْ دُرُوجِ الكُنُوزِ، اِنْقَلَبَ المَنْظَرُ. اِنْحَسَرَتِ الأَرْضُ عَن مِياهٍ عَتِيقَةٍ، بَحْرٍ أَوَّلَ لَمْ تَمَسَّهُ شَمْسٌ. وَمِنْ ذَلِكَ الظَّلامِ المَائِيِّ، تَحَرَّكَ شَكْلٌ. لَم يَكُنْ سَمَكاً وَلا تِنِّيناً. كانَ لِفَياتانَ. كانَ مَعْنَى القُوَّةِ الْمُطْلَقَةِ. صَفائِحُ جَسَدِهِ كَدِرُعٍ لَا يُنْفَذُ، نَفَسُهُ يُشْعِلُ جَمْراً، وَعَيْنَاهُ كَضَوْءِ الفَجْرِ عَلَى حافَةِ العالَمِ. يُسَخِّرُ الحَدِيدَ كَالْعُشْبِ، وَيَضْحَكُ مِنْ هَزَّاتِ الرِّمَاحِ. تَحْتَهُ حُصُرٌ مِنَ اللَّوْلُوِ، وَخَلْفَهُ سَبِيلٌ مِنَ الزَّبَدِ الأَبْيَضِ.
“هَل تَأخُذُهُ بِشَصٍّ؟ هَل تَرْبِطُ لِسَانَهُ بِحَبْلٍ؟ هَل تَغرِزُ خَزَمَةً في مَنْخِرِهِ؟ هَل يَتَّضِعُ لَدَيْكَ وَيَتَكَلَّمُ مَعَكَ بِالنِّعَمِ؟ كُلُّ شَيءٍ شامِخٌ تَحتَ السَّمَواتِ هُوَ لِي.”
وَانْقَطَعَتِ الرُّؤْيا.
عادَ أيُّوبُ إلَى صَحرَائِهِ. إلَى الحَرِّ، وَالغُبَارِ، وَالقُرُوحِ. لَم تَزُلْ آلامُهُ، وَلم تَرْجِعْ لَهُ ثَرَواتُهُ. لَم يُجِبْهُ الصَّوتُ عَنْ سُؤالِ: “لِمَاذَا؟”
وَلَكِنَّ الأَرْضَ تَحتَ قَدَمَيْهِ لَمْ تَعُدْ نَفْسَ الأَرْضِ. كَانَتْ مَلِيئَةً. مَلِيئَةً بِقُدْسَةٍ مُرْعِبَةٍ. رَأى قُوَّةً لَا تَنَمُّ عَنْ غَضَبٍ، وَلَا تَهْتَمُّ بِالْمُقايَضَةِ، وَلَا تُحَاسِبُ بِمِيزانِ البَشَرِ. رَأى جَمالاً مُرَوِّعاً لَمْ يَخْلُقْهُ لِلْإِنْسَانِ، بَلْ خَلَقَهُ لِنَفْسِهِ، كَفَنّانٍ يَرْسُمُ لِذَاتِهِ في غُرْفَةٍ سِرِّيَّةٍ.
فَمَدَّ يَدَهُ، لا لِيَشْكُو، وَلَا لِيَسْأَلَ. مَدَّ يَدَهُ وَضَمَّ فيها حَفْنَةً مِنْ تُرَابِ تِلْكَ الأَرْضِ المَلِيئَةِ. رَفَعَها إلَى شَفَتَيْهِ، كَالتَّائِهِ، كَالْمُسَبِّحِ. كَانَ جَوابُهُ أَبْكَمَ مِنَ الكَلامِ، وَأَعْمَقَ مِنَ الفَهْمِ. كَانَ اعْتِرَافاً بِأَنَّ الَّذِي يُمْسِكُ بِهِيمُوتَ وَ لِفَياتانَ في راحَتِهِ… هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُمْسِكُ بِقَلْبِ أيُّوبَ المُحَطَّمِ. وَلِهَذَا، فَقَطْ لِهَذَا، كانَ في الأَلَمِ مَعْنًى. وَفي الصَّمْتِ حُضُورٌ. وَفي العَجْزِ كُلِّهِ، كانَتْ سُلْطَةُ المَحَبَّةِ الرَّهِيبَةِ تَعْمَلُ عَمَلَها.



