الكتاب المقدس

صلاة عوبيد في ظل الظلم

كان الظّل يمتدّ في أزقة أورشليم، كأنه خيالٌ ثقيلٌ يرتمي على الحجارة البازلتية التي شهدت مجداً وغرباء. في حارة من تلك الحوارى، حيث رائحة الزيتون المطحون تختلط برائحة الفقر، كان عوبيد جالساً على عتبة بيته المتواضع، وكفاه المتشققتان تمسكان ركبتيه كما لو كانا يحاولان منع قلبه من الانفجار. الألم لم يكن جديداً عليه، لكنّ الصمت كان ثقيلاً هذه المرة. صمت السماء تجاه صراخ المظلومين، وصمت الناس تجاه انكسار الضعفاء.

كان قد رأى بأم عينيه، قبل أيام، رجال السلطة يأخذون ابن جاره اليتيم، الولد الصغير الذي كان يرعى غنيمتين ورثهما عن أبيه. اتهموه بسرقة حفنة عنب من كرم أحد الأغنياء، الذين لا يكتفون بكرومهم المترامية، بل يطمعون حتى في ما تبقّى للفقراء. صرخ الولد، وتوسلت أمه، لكن العصي هبطت، والولد سُحب بعيداً، ولم يعد له أثر. ولم يتحرك أحد. خوفٌ سميك، كضباب بحيرة طبريا في الشتاء، خيّم على الحارة. الجميع يعرفون الظلم، الجميع يرونه، لكنّ الألسنة تخرس، والعيون تتجه إلى الأرض.

رفع عوبيد عينيه نحو السماء، التي بدت له كصفيحة نحاسية حارقة، لا تعطي ظلاً ولا تنزل ندى. في صدره، تكوّمت كلمات، مثل حجارة ساخنة. لم تكن صلاة بالمعنى الذي يتحدث عنه الكتبة في الهيكل، بترتيب ونظام. كانت زفرات محطمة، قطعاً من الروح الممزقة.

“يا رب، يا إله الانتقام، أشرق. يا إله الرد، تَجَلَّ. ارفع نفسك، يا ديّان الأرض. ردّ للمتكبرين جزاءهم.”

كانت الكلمات تخرج من فمه مبحوحة، متقطعة. تذكر كيف كان الكهنة يتلون المزامير في الهيكل بنبرة موحدة جميلة، لكن صلاته الآن كانت مختلفة. كانت كتلة من الحيرة والغضب والألم. كم من الوقت سيستمر هذا؟ إلى متى ينتصر الأشرار؟ إلى متى يهزؤون ويفرحون ويتكلمون بكبرياء، ويتفاخرون بقوتهم، ويظلمون شعبك، يا رب؟ الأرملة والغريب واليتيم يَسحَقونهم، ويقولون في سرّهم: “لا يرى الرب، ولا يعتبر إله يعقوب”.

نهض عوبيد ومشى بلا اتجاه. مشى في الأزقة الضيقة، مروراً ببوابات القصور الفاخرة، حيث كان صوت الموسيقى والضحك العالي يتسرب من خلف الجدران العالية. سمع ضحكة مكتومة لأحدهم يقول: “الأيام لنا، والقوة بيدنا. ومن يقف في وجهنا؟”. أغمض عوبيد عينيه. كان شعوراً بالعجز يغمره، كأنه يُغرق في مياه مالحة.

ولكن في عمق هذا اليأس، بدأ صوتٌ آخر يتردد في داخله، صوتٌ هادئٌ لكنه عميق، كنبض الأرض نفسها. توقف عند بئر قديم على طرف المدينة، وجلس على حافتها. حفيف أوراق شجرة زيتون عجوز قريبة كان يُحدث صوتاً كهمس. ونظر إلى السماء مرة أخرى، التي بدأت تلتحف بلون النحاس الغامق مع اقتراب المساء.

“تفهمون أيها الحمقى بين الشعب. ومتى تعقلون أيها الجهلة؟ الذي غرس الأذن، ألا يسمع؟ الذي شكل العين، ألا يبصر؟ الذي يؤدب الأمم، ألا يؤدب؟ الذي يعلم الإنسان معرفة، ألا يعلم؟”

كانت الأسئلة تنهال في ذهنه، لا كإجابات جاهزة، بل كحقائق تبدأ في اختراق ضباب اليأس. الرب ليس غائباً. هو الذي خلق الحواس، هل يكون بلا إحساس؟ هو الذي يعطي المعرفة، هل يكون جاهلاً بما يحدث؟ بدأ عوبيد يرى أن صمت الرب ليس غياباً، ولكنه صمت القاضي الذي يجمع الأدلة، صمت الأب الذي يترك الابن يتعلم من عواقب طريقه. الأشرار قد ينتفخون كالخبز الفطير، لكن النار آتية لا محالة.

“طوبى للرجل الذي تؤدبه يا رب، والذي تعلمه من شريعتك.” الفكرة أضاءت في قلبه كشعاع أول ضوء فجر. الألم الذي يشعر به، الظلم الذي يراه، ليس دليلاً على غياب الله، بل قد يكون أداة في يد الله. أداة تأديب، أداة تنقية. كم هو ضيق الإنسان الذي يرى اللحظة فقط، ولا يرى المسيرة. الأشرار يحفرون حفرة للآخرين، ولكنهم يسقطون فيها أولاً. “لأن الرب لا يرفض شعبه، ولا يترك ميراثه.”

عاد عوبيد إلى حارته، والظلام قد اكتمل، لكن الظلام في داخله بدأ ينجلي. مرّ ببيت الجارة الأرملة، التي فقدت ولدها. رأى نور مصباح ضعيفاً يتخلل ستار الباب. سمع صوتاً خافتاً يترنم. اقترب فسمعها تتلو جزءاً من التوراة، صوتها مرتجف لكنه متمسك. “عند كثرة الهموم في داخلي، تعزياتك تفرح نفسي.” لم تدع اليأس يملك عليها. كان إيمانها كجذور شجرة الزيتون العتيقة، تتعمق في الصخر بحثاً عن الحياة.

وفي تلك اللحظة، أدرك عوبيد المعنى. العدل الإلهي ليس دائماً صاعقة تنزل من السماء فوراً. هو غالباً كالنهر الجوفي، يسري بهدوء تحت الأرض، ويظهر في الوقت المناسب. الرب هو ملجأ الحصن، هو الصخرة التي يلجأ إليها القلب الأمين. “الرب إلهي ينتقم لي، ويردّ عليهم إثمهم، ويبيدهم الرب إلهنا.”

لم يعد قلبه ممتلئاً بالحقد، بل بالثقة. الثقة بأن الظلم لن يدوم. وأن دموع المظلومين ليست ضائعة، بل تُجمع في قارورة عند الله. وأن صوت الفقراء، وإن خفت في الأرض، فإنه عالٍ في السماء.

نام عوبيد تلك الليلة، ولأول مرة منذ زمن، نوم عميق. وكان يعلم أن المعركة لم تنته، وأن الأشرار ما زالوا أشراراً. لكنه علم أيضاً أن القاضي العادل على العرش، وأن الصباح آتٍ، حاملاً معه نور الحقيقة، حيث يزول ظل الظلم، كما تزول الغشاوة عن العينين عند بزوغ الفجر الحقيقي.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *