الكتاب المقدس

سقوط بابل: دينونة الرب

وكانت بابل كالجبل العظيم، القابع في سهول الزمان، ترفع رأسها إلى السماء متحدية. بيوتها من حجر أزرق، وقصورها من ذهب مكلل باللازورد، وجدرانها كالسلاسل الحديدية تحيط بمجدٍ يظن أنه أبدي. في شوارعها الضيقة، حيث الظل يلعب مع ضوء المصابيح، تختلط روائح البخور الغريب برائحة الخمر المسكوبة على مذابح آلهة لا تحصى. من على شرفات القصر الملكي، يطل كبرياء الإمبراطور على العالم كما لو أنه ملكه الخاص إلى أبد الآبدين.

لكن في أعماق السماء، حيث لا تصل أضواء المصابيح ولا دخان القرابين، كان كلمة الرب تتحرك. كان يهوه، إله القوات، قد أقام دعواه على بابل. ليست دعوى ملك ضد ملك، بل هي دينونة الخالق على الخليقة المتمردة. فقد ملأت خطيئتها كأساً من ذهب في يد الرب، كأس سخطه، حتى فاض.

وهكذا أرسل الرب روحه على أرميا النبي، الرجل الوديع من عناثوث، فانفتحت شفتاه بكلام مرّ كعلقم، لكنه حقيقي كصخر الجبال. كتب في درج كل ما أمره به الرب: “هكذا يقول الرب: هأنذا أثير على بابل وعلى سكان قلب مقاوميّ ريحًا مهلكة. وأرسل إلى بابل ذارين فيذرونها، وينزلون عليها من كل ناحيتها في يوم الشر.”

بدأت العلامات تظهر، خفية في البداية، كغمامة سوداء صغيرة في أفق الصيف. تهامس التجار في الأسواق عن اضطرابات في أطراف الإمبراطورية. سمع الحرس على الأسوار وقع أقدام بعيدة، ليس لجيوش مرئية، بل لقلق إلهي يجوس في الطرق. ثم جاءت الأخبار عن قوم من الشمال، قوم قساة الوجوه، سريعو الحركة كالنسر الجارح، يزحفون باتجاه قلب المملكة. هم الماديون والفرس، آلات الرب في يده.

وفي بابل، استمرت الحياة في غطرستها. في قاعة العرش، ضحك الملك بلشاصر وأمر بإحضار آنية الهيكل المقدسة التي سلبت من أورشليم، ليشرب بها هو وأمراؤه ونساؤه وسراريه. كان الذهب المقدس يلمع تحت أضواء المشاعل، بينما امتلأت الكؤوس بخمر البهجة الفارغة. في تلك الليلة نفسها، بينما كانت أصابع بشرية تكتب على حائط القصر كلمات النهاية: “منى، منى، تَقيل، وفَرسين”، كان الرب يعدّ جيشه السماوي.

فالرب إله إسرائيل، لم ينسَ عهده. صرخة شعبه المسبيّ عند أنهار بابل، التي غنوا فيها: “كيف نغني ترنمة الرب في أرض غريبة؟” – كانت قد وصلت إلى مسامع مجده. كان الرب يدافع عن قضية شعبه، ويطلب دماء قديسيه من يد بابل الطاغية.

وهكذا اقترب اليوم. جاءت الجيوش كالسيل الجارف، تحيط بالمدينة العظيمة. لكن الرب أوضح: لم يكن الانتصار بقوس أو بسيف. لقد جفف مياه نهر الفرات العظيم، تلك التي كانت تحمي المدينة كحارس أمين. فتحت القنوات وأريقت المياه في الصحارى، فظهر قاع النهر، وجاز الجيش عبر المجرى اليابس. كانت الخيانة تنمو في قلب المدينة نفسها، كما تنبأ أرميا: “قد انكسر قوس بابل، قد انسحقت حرابها.”

وفي الليل، بينما كانت المدينة تنام في غرورها الأخير، سمع دويّ كصوت رحى عظيمة تدور. هو صوت الرب الذي يسحقها. “وأسلمها كلها إلى الهلاك.” لم تكن معركة عادية، بل كانت دينونة. انفتحت الأبواب من الداخل، ودخل الغزاة إلى قلب المدينة دون كسر بوابة واحدة. النيران اشتعلت في القصور، وامتزج دخان الحرائق بدخان البخور المحترق، وصعد عمود من اللهب إلى السماء ينظر إليه كل الأمم.

وفي خضمّ الفوضى والرعب، كان صوت الرب يعلو فوق ضجيج المعركة: “قد انكسرت بابل العظيمة، انحطت.” صار مجدها خراباً، ومسكن الشياطين وملجأ كل روح نجس. تحطمت أصنامها المنقوشة من فضة وذهب، وسقطت على الأرض كحجارة الطرق. لم يعد لها وجود، لأن الرب إله القوات قد صنع بها قضاءه.

ثم التفت الكلمة إلى شعبه، المسبيّين الذين كانوا يرتجفون في مساكنهم خوفاً من العاصفة: “اهربوا من وسط بابل، ونجوا كل واحد بنفسه.” كان الخلاص في الخروج، في ترك المدينة الملعونة وعدم المشاركة في خطيئتها. كان الرب يفتح طريقاً في البرية، طريق العودة إلى صهيون، كما وعد.

ووقف أرميا، بعيداً في يهوذا، وكأنه يرى الرؤيا كلها. رأى حجراً عظيماً قد رُفع وأُلقِي في مياه نهر الفرات، فغطس إلى القاع. هكذا تكون بابل، لن تقوم بعد إلى الأبد. ثم كتب الكلمات الأخيرة في درجه: “إلى هنا كلام بابل.”

وهكذا سقطت الجبابرة. وبقي كلام الرب، حياً إلى الأبد، كالنار في العظام، وكالمطر على الأرض العطشى. فكل مملكة ترفع نفسها ضد السماء، ستذوق مرارة الكأس التي ملأتها بيدها. والرب راعي إسرائيل، لا ينام ولا ينيم. تدور الدول كالغبار في مهب الريح، لكن رحمته على شعبه تبقى من دهر إلى دهر. والباقي صمتٌ طويل، تسمع فيه همس التاريخ: الرب قد ملك.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *