الكتاب المقدس

دروس من دمار صور المتغطرسة

كان البحر هادئاً ذلك المساء، كأنما يحتجب عن نذر المصير. وكانت صور، تلك العروس الفينيقية المتغطرسة، جالسة على عرشها من الصخر، تطل على مياه الزرقاء اللامتناهية بثقة المالك الذي لا ينازع. من عَلُ، كانت أسوارها تبدو كقلادة من حجر أبيض، تلف عنق الجزيرة بصلابة ظنتها أبدية. في الميناء، رفرفت أشرعة السفن القادمة من أقاصي الأرض، حاملة العاج والتوابل والذهب، وصاخبة بأصوات تجار اليونان ومصر وأرض ما بين النهرين. كانت ضجة الثروة تملأ الأجواء، رائحة الملح مختلطة بروائح البضائع النفيسة، وضجيج الصفقات يعلو فوق همسة الأمواج.

وفي تلك الأثناء، في أرض المنفى البعيدة، حيث يجري نهر خابور، كان النبي جالساً في ظل شجرة، وكأن ثقلاً من رصاص يضغط على روحه. كانت كلمة الرب قد نزلت عليه فجأة، قاسية وحاسمة كسقوط الفأس على الجذع. رأى بعين الروح ما لم تره عيون أهل صور: راية بابل، راية نبوخذنصر الملك، تلوح في الأفق الشمالي، حاملة معها غبار جيوش لا تحصى، وصليل سيوف لا يرحم. فانفتح فاه بالكلمات التي قضت بأن لا تعود صور كما كانت أبداً:

“هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَيْكِ يَا صُورُ، وَأُصْعِدُ عَلَيْكِ أُمَماً كَثِيرَةً كَمَا يُصْعِدُ الْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ.”

لم تكن نبوءة حرب عادية. لقد كانت حكماً بالإعدام على كبرياء عمره ألف عام. كانت تقول أن جيوش الأمم ستدوس شوارعها، كالأمواج المتلاطمة التي لا تقاوم. وأنهم سيهدمون أسوارها الفخورة، وينزعون أبراجها، ويحكون حتى ترابها ليتركوا الصخر عارياً، مكاناً لكي تشدّ فيه الشباك.

وفي صور، لم يسمعوا إلا حفيف الريح في أشرعة السفن. كانوا يظنون أن بحرهم حصينهم، وأن أسوارهم لا تقهر. قال كبير التجار لرفيقه وهو يتناول كأس نبيذ: “من ذا الذي يستطيع أن يصل إلى جزيرة في وسط المياه؟ إن حصوننا من حجر والبحر من نار على أعدائنا.” وصدقه صاحبه وضحكا.

لكن النبوءة كانت قد بدأت تمشي على الأرض. ففي الربيع التالي، لم تأتِ سفن القمح من مصر كالعادة. ثم تلاشت تجارة النحاس من قبرص. ثم جاءت أخبار مقتضبة عن جيش ضخم يسير من الشرق، يحمل معه آلات حرب غريبة، وسلالم طويلة كأشجار الأرز. وعند الأفق، بدأت سحابة غبار دائمة، لا تزول لا بالشمس ولا بالرياح.

وجاء اليوم الذي فيه غطت السفن البابلية، وهي سفن خشبية غريبة عن مياههم، الأفق البحري. لم يأتوا كالتجار، بل جاءوا كالسرب الجائع. ورأت صور لأول مرة “كِسَاءَ الْحَدِيدِ” الذي تكلمت عنه النبوءة. كان الجنود البابليون يلمعون تحت الشمس كالسمك القشر، صامتين، منظّمين، بلا صيحات حرب بل بصمت القضاء المحتوم.

وكانت المعركة الأولى عند الأسوار البرية، في مدينة صور الأم التي على الشاطئ. دكت المطارق الحجر، واستنزفت السهام المدافعين، وسالت الدماء في الخنادق حتى اختلط لونها بلون الطين. وانتقل أهل البر إلى الجزيرة عبر الممر المائي، يظنون أنهم في أمان. لكن البحر الذي ظنوه حصناً صار سجناً. ضرب نبوخذنصر الحصار، سنة تلو سنة. صار الشاطئ مخيماً دائماً للجيش، وصارت الجزيرة سجناً لعظمائها.

والأمواج، تلك الأمواج التي ذكرتها النبوءة، بدأت تتكسر على صخر المدينة بمعنى جديد. موجة الجوع أولاً، ثم موجة المرض، ثم موجة اليأس. صارت أصوات الأطفال الباكية هي الترانيم الوحيدة في المدينة التي كانت تعج بالأناشيد. وتحول الذهب في خزائنها إلى معدن لا يسدّ فماً واحدا.

وبعد ثلاث عشرة سنة من الصبر البابلي العنيد، لم تعد هناك قوة للمقاومة. دخل الجنود الأغرار، وهم من شعوب كثيرة جلبهم نبوخذنصر، كالأمواج حقاً. من الفرس، والليبيين، والأناضوليين. دمروا ما وجدوه. هدّموا الأبراج العالية، وألقوا بحجارتها المنحوتة في الأعماق. أشعلوا النار في القصور والمخازن، حتى أن دخانها ظل يُرى من سفن بعيدة لشهور.

وفي النهاية، تحققت الكلمة كلها. “فَأَجْعَلُكِ صَخْرَةً مَلْسَاءَ. مَوْضِعاً لِشَبَكِ الصَّيَّادِينَ تُكَوَّنُ.” نعم، لقد تركوها عارية. حجارتها البيضاء الكبيرة أصبحت مأوى لقناديل البحر وسرطانات البحر. وصار الصيادون، في الأصيل، ينشرون شباكهم على الصخر الأملس ليصطادوا، ويجلسون يتناولون خبزهم حيث كان عرش الملوك التجار. ولم تعد تسمع إلا صوت الموج يصرخ على الصخر، وكأنه يرثي مجداً قديماً.

وغربت الشمس على أنقاض صامتة. البحر نفسه، شاهد كل ذلك، عاد إلى هدوئه الأول. لكنه لم يعد ذلك البحر الذي كانت تعبّر فيه سفن صور الفخورة. لقد صار مقبرة لإمبراطورية، وذكرى لكل متكبر يقول في قلبه: “أنا إله. أنا جالس في مقعد الله.” وكان الدرس موجعاً وبليغاً: أن الرب هو الذي يعطي القوة للبشر، وهو وحده القادر أن ينزعها عندما تتحول النعمة إلى غرور، والمجد إلى صنم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *