الكتاب المقدس

ينبوع التطهير والعهد

كان الشيخ متكئاً على عصاه، وهو يراقب الشمس تغيب خلف تلال القدس، محوّلة حجارة السور إلى ألوان العسل والدم. هبت رياح خفيفة، حاملة معها عبق التراب بعد نهار صيفي طويل، وصرير بابه الخشبي الذي يحتاج إلى دهن. في مثل هذا الوقت، يغلب على قلبه ذلك الخليط من الرجاء والوجع، فيتذكر كلمات أستاذه، النبي زكريا، تلك الكلمات التي حملت ناراً وحلواً، وعوداً كالسيف وراحة كالندى.

كان ذلك اليوم الذي قال فيه الشيخ، وصوته كخرير الماء في قناة قديمة: “يكون في ذلك اليوم ينبوع يُفتح لبيت داود وسكان أورشليم، للخطية وللنجاسة.” تذكر كيف ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، وكيف بدا الضوء الداخل من النافذة الضيقة وكأنه يسبح بذرات غبار تتراقص ببطء. “ينبوع”، كلمة واحدة تختصر كل ذلك العطش الروحي الذي عاناه الشعب لسنين، لا ماء يروي الجسد فحسب، بل ينبوع يغسل ذلك القذر الذي يلتصق بالروح، ذلك الإحبال بالخيانة والعبادة الزائفة. رأى بعين خياله ذلك النبع ينفجر ليس من صخرة، بل من صميم قلب المدينة المنكوبة، فيغسل أدران السنين.

وهنا، في صمت المساء، يبدأ التحول. لم يعد الأمر متعلقاً بطقوس وذبائح وحسب، بل بقلب ينقلب رأساً على عقب. “ويكون في ذلك اليوم، يقول رب الجنود، أني أقطع أسماء الأصنام من الأرض فلا تذكر بعد، وأعني أيضاً أن أنزع الأنبياء النجس والروح النجس من الأرض.” يا لها من غربة في الكلام! أسماء الأصنام تُقطع كما تُقطع خيوط العنكبوت البالية. كيف؟ ليس بقرار ملكي، ولا بمرسوم حاكم، بل بشيء أعمق. إنه الإملاء من فرط النور. عندما يفيض النبع، يصبح الظلام بلا معنى، وتلك التماثيل التي عبدها الآباء طوعاً أو كرهاً تصبح مجرد حجارة ملقاة على جانب الطريق، ينساها الناس كما ينسون كابوساً بعد استيقاظ مؤلم.

وأما الأنبياء الكذبة، أولئك الذين تكلموا بكلام معسول ملطخ بأهواء الملوك ونزوات الشعب… فسيخجلون من أنفسهم. ترى الشيخ يهز رأسه وهو يتذكر كيف كانت تسهل صناعة النبوة زمن الضيق. لكن اليوم آت، اليوم الذي فيه، إن تجرأ رجل على التنبؤ بالباطل، فستثور عليه أقرب الناس إليه: أبواه اللذان أنجباه. سيضربهان، لا غضباً فحسب، بل خجلاً وفرط حياء. “لا تعش لأنك تكلمت كذباً باسم الرب.” ستكون النبوة الكاذبة عاراً لا يُحتمل، وصمة تلاحق الإنسان حتى في ملابسه. سيختفي أولئك المخادعون، وينكرون آثارهم، تلك الجروح في أيديهم التي كانوا يصنعونها في حالات الوجد الزائفة، زاعمين أنها آثار عراك مع آلهة. سيخبئونها تحت أكمامهم، ويتمنون لو كانوا مجرد فلاحين عاديين.

ويمتد بصره نحو البيدر حيث يجمع الفلاحون آخر الحصاد. فيأتي إلى ذهنه كلام أستاذه عن الراعي، الكلمة التي تثير في نفسه اضطراباً عميقاً. “يا سيف، انهضي على راعي، وعلى رجل رفقتي، يقول رب الجنود.” راعي… ورجل رفقته. علاقة حميمة ثم ضربة. سيف يُسلط على من؟ إنه لغز مؤلم وجميل. يرى في خاطره صورة راعٍ، ليس بالضرورة بمظهر مهيب، بل ربما متواضعاً، يسير بين قطيعه، يعرف كل خروف باسمه، وهو نفسه مُعرّض للخطر. وضربة هذا الراعي لا تعني دمار القطيع، بل تبدده مؤقتاً، ليتم تنقيته. ثلثان يهلكان، والثلث يبقى. نار تذيب لتُظهر الجوهر. “وأجيء بالثلث في النار، وأمتحنهم كما يمتحن الذهب.” الكلمات ثقيلة كالصخر. الله لا يعد برخاء رخو، بل بخلاص عبر الجمر. إنها نار التطهير، لا نار الإبادة.

ويخيم السكون الآن. تظهر أولى النجوم في السماء الزرقاء الداكنة. يسمع الشيخ من بعيد صوت راعٍ يعود بغنمه، يغنّي نغمة حزينة وبسيطة. يتنهد. كل هذا الوعد، هذا التطهير العنيف، هذا الراعي المضروب… إلى أي نهاية؟ الكلمات الأخيرة ترن في أذنه: “يقال: هو شعبي، وهو يقول: الرب إلهي.” علاقة متجددة. عهد جديد. لا علاقة سادة وعبيد، ولا خوف ورهبة جافة، بل اعتراف متبادل، حميمية. “ربي… شعبي.” كلمات بسيطة كحبة قمح، لكنها تحتوي كل سر الفداء والمصالحة.

ينهض الشيخ متثاقلاً، مفعماً بقشعريرة من القدسية والألم. الطريق طويلة، والوعد عظيم، والثمن أعظم. لكن هناك ينبوع. وهذا يكفي ليجعله يمشي، ولو متكئاً على عصاه، في ظلام الليل الآتي، منتظراً الفجر الذي وُعد به، حتى لو كان فجره الخاص لن يدركه. هو مجرد حارس للكلمة، وراعٍ لذكرى الوعد، حتى يأتي الراعي الحقيقي، فيضربه السيف، فتتفجر من جنبه تلك المياه التي تحدث عنها أستاذه، والتي رأى تدفقها في رؤى يقظته، أكثر وضوحاً من مياه شيلوه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *