كان النهار يميل نحو الغروب، وشمس أخيرة دافئة تلطّف حجر السجن البارد تحت قدمي الياس. كان يجلس وحيداً في زنزانته، وقد التصقت أنفاسُ اليأس بجدرانها الرطبة. لم يكن سجيناً بقضبان من حديد، بل كان أسيراً لسلسلة طويلة من الخيارات الفاشلة، لصدأ الذكريات، ولعقد من الخطايا كانت تُقَرْقِشُ في داخله كالفِران. كان يشعر بها أحياناً، ثقيلةً وملموسة، تربط كاحليه وتَسْحَبُهُ دوماً إلى الوراء، إلى نفس الأوحال التي أقسم مراراً ألا يعود إليها.
خرج إلى الفناء المسوَّر لقضاء وقت المساء. هناك، عند الحائط الغربي المتشقق، نبتت زهرة برية صغيرة، تحدت الحجارة ووصلت نحو النور. راقبها الياس طويلاً. كانت تذكرُه بكلمات كان قد سمعها قبل سنوات، من رجل مرّ بمدينتهم يتحدث عن حرية غريبة، عن نعمة تفوقُ كلَّ قيد. لكن تلك الكلمات صارت مثل صدى بعيد، غطَّت عليه ضوضاء صراخه الداخلي: “أنا رجل قد رُسِمَ مصيره. هذه طبيعتي. وهذا ما أنا عليه.”
في تلك الليلة، بينما كان النوم هارباً من جفنيه، جاءته صورة غريبة، واضحة كواقع. رأى نفسه واقفاً على شاطئ نهر عظيم، مياهه داكنة وهادئة. وعلى الضفة الأخرى، كانت تبدو أرض مُخْضَرَّة، تنبعث منها أنوار صافية. لكن ما أمسك نظره كان الجثمان. جثمان رجل، شبهه مطابق لشبهه هو، ممدداً هناك عند حافة الماء، ميتاً بلا حراك. وفجأة، سمع صوتاً داخلياً، صافياً وحازماً، يقول: “أتَعْرِفُهُ؟ هذا هو العبد القديم. هذا هو الإنسان الذي كنتَهُ. دُفِنَ مع سيده في قبر تلك المياه. اتركه هناك. ليكن الموت قد أخذ ما للموت.”
استيقظ الياس وكأن صاعقة قد نزلت في روحه. لم تكن رؤيا عابرة، بل كانت حقيقةً تُغْريقه وتنشره في الوقت ذاته. ذهب في اليوم التالي إلى المكان الوحيد الذي تذكر أنه سمع فيه تلك الكلمات من قبل: مجموعة صغيرة كانت تجتمع في بيت متواضع عند أطراف المدينة. دخل خجولاً، وجلس في الزاوية. وكانوا يقرأون من رسالة.
سمع الكلمات وكأنها تُكتَبُ بالنار على قلبه: “أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ؟ فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضاً فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ.”
“دُفِنَّا”. توقفت أنفاسه عند الكلمة. لم تعد الخطية مجرد أخطاء يرتكبها، بل كان لها سيد، وكان هو عبداً لذلك السيد. والموت الوحيد الذي يحرر العبد هو موت العبد نفسه. رأى النهر في حلمه مرة أخرى. ذلك الجثمان على الشاطئ كان هو، كان “الياس القديم”، عبد الخطية. والدفن كان ضرورياً. لا إصلاحاً، لا تحسيناً، بل نهاية. وقبر ذلك الموت كان في مياه النهر العظيم، في معموديته هو.
بعد أيام، وقف الياس على ضفة النهر الحقيقي الذي يشق المدينة، مع القليل ممن فهموا صدق عزمه. كان الماء بارداً عندما نزل. لحظة الغمر كانت صادمة. الصمت تحت السطح، الظلمة المؤقتة، فقدان السيطرة، الشعور بأن كل شيء قد انتهى. ثم الصعود. خرج من الماء وكأنه وُلِدَ من رحمٍ مائي. كان نفس الهواء الذي يتنفسه، ولكن كان كأنه يتنفسه لأول مرة. لم تكن مشاعر نشوة عابرة، بل كانت معرفة راسخة، كحجر أثبت في الأساس.
عاد إلى زنزانته. الجدران نفسها، والفراش نفسه. لكن السلسلة التي كانت تُقَرْقِشُ في داخله… لم يعد يسمع صوتها. حاول أن يستحضر إحدى خطاياه القديمة، كمن يحاول استدعاء ألم عضو بُتِر. كان الذكرى موجوداً، لكن الدافع الداخلي، القوة التي كانت تجذبه وتسيره كالدمى، قد غابت. لقد بقي جسدها ميتاً على الشاطئ. كان حراً. لا حرية من العواقب، بل حرية من الحتمية. لم يعد عبداً. كان يمكنه أن يقول “لا”.
لكن الحياة الجديدة لم تكن فراغاً. كانت هناك قوة أخرى، حياة أخرى. بدأ يسلك. كانت كلمة “يسلك” تبدو له سابقاً ثقيلة كالتكليف، أما الآن فصارت خفيفة كالنبض. كانت سيره خطوة بخطوة، في ضوء تلك الحياة المقامة. واجه تجارب. جاءته نوبات من الذكريات القديمة كأشباح تطرق بابه. لكنه كان يتعلم أن يفعل ما لم يفعله من قبل: أن يقدم أعضاء جسده، يديه، عينيه، فكره، كأدوات للبر، لله. كان يعلم أنه ما زال يسكن في جسد قابل للسقوط، لكن السيد تغير. “فَإِنَّ خَطَايَاكُمْ لاَ تَسُودُ عَلَيْكُمْ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ.”
في أحد الأيام، بينما كان يسير في السوق، رأى وجه رجل كان شريكاً له في حياة الفشل القديمة. التقت عيناهما. توقع الياس أن يستيقظ الوحش القديم. لكن كل ما حدث كان شعوراً عميقاً بالحزن، حزن مقدس، على الرجل الذي ما زال يرتدي سلاسل كان هو نفسه قد تركها في قبر مائي. ابتسم له الياس ابتسامة هادئة، لا فيها تفوق، بل فيها سلام غريب. وواصل سيره.
عند عودته، مرّ على الحائط الغربي المتشقق. الزهرة البرية كانت قد ذَبُلَت. لكن تحت ساقها الجافة، كانت براعم خضراء جديدة تدفع نحو التراب. فهم الياس أن الجدة ليست حدثاً ماضوياً وحسب، بل هي سير مستمر. هو مائت عن الخطية، حيّ لله، في المسيح يسوع. كل يوم كان دفناً جديداً للجثمان القديم على الشاطئ، وكل يوم كان قيامة جديدة في ضوء الفجر الآتي. والمشي في جدة الحياة لم يكن مشياً نحو أفق بعيد، بل كان سكناً في واقع أصبح أقرب من نبضات قلبه: الحرية التي لا يهبها إلا الموت، والحياة التي لا يمنحها إلا القائم من بين الأموات.




