كان المساء قد ألقى بستاره الوردي فوق أسطح القرية، وكانت حرارة النهار قد بدأت تتسرب من حجارة الساحة الصغيرة المجاورة للكنيسة. تحت شجرة تين عتيقة، جلس يعقوب، شيخ الجماعة، ينتظر من يأتيه. كانت يداه، المليئتان بالتجاعيد العميقة، تمسكان بدفة من الجلد البالي لسفر مزامير قديم، لكن عينيه كانتا مرتاحتين على وجهي الرجلين الجالسين أمامه.
كان الأول هو متى، تاجر الأقمشة، وقد جاء بردائه الفاخر المطرز بخيوط ذهبية رفيعة. كانت رائحة الطيب الفاخر تفوح منه كلما حرك ذراعيه، وكان خاتم الفضة في إصبعه يلتقط آخر أشعة الشمس. بجلس بثقة، وكأن الأرض قد هيئت له خاصة. أما الآخر، فهو إيليا، النجار، وكانت ثيابه البسيطة مغبرة، وبقايا نشارة الخشب عالقة في شعر لحيته القصيرة. جلوسه كان منحنياً قليلاً، كمن اعتاد أن يحتمي من نظرات الناس.
“لقد سمعت، يا معلم، أنك تتكلم هذه الأيام عن الإيمان والأعمال”، بدأ متى حديثه بصوته الواضح المدوي. “وأريد أن أؤكد لك أن إيماني بالرب راسخ كالجبال. أقرأ النصوص المقدسة كل غداة، وأصلي بانتظام، وحالتي الميسورة ما هي إلا بركة من عنده على تقواي”.
رفع إيليا عينيه للحظة، ثم عاد يحدق في يديه المتشبكتين فوق ركبتيه. كانت أظافره مكسورة وسوداء من العمل. لم يتفوه بكلمة.
أدار يعقوب وجهه نحو إيليا وسأله بلطف: “وأنت يا ابني، ما تقول؟”
حك إيليا ذقنه، وصوته خشن كالصنفرة عندما أجاب: “أعمل يا سيدي منذ الفجر. أحاول أن أطعم أولادي. أصلي أيضاً، لكن… لكن وقتي ضيق. أحياناً أغفو قبل أن أنهي تسبحتي المسائية”.
ابتسم يعقوب ابتسامة حزينة. ثم نظر إلى الساحة حيث بدأ الناس يتجمعون للاجتماع المسائي. وفجأة، دخل إلى الساحة رجل غريب. كانت ثيابه رثة، وقد غطى الغبار وجهه المتعب. توقفت خطواته مترددة عند حافة دائرة الضوء التي تصنعها مصابيح الزيت. نظر حوله بعينين جائعتين.
في الحال، نهض متى من مكانه. لكنه لم يتقدم نحو الرجل الغريب. بل أدار ظهره، وهمس ليعقوب: “بحق الرب، يجب أن نحافظ على طهارة اجتماعنا. من يدري أي دنس قد يجلب هذا المتشرد؟”. ثم أشار بيده إلى مقعد فاخر محتفظ به لأعضاء الجماعة البارزين قائلاً: “تفضل، يا معلم، اجلس هنا حيث يمكن للجميع رؤيتك بوضوح”.
لكن يعقوب لم يتحرك. بل قام ببطء، ومشى نحو الرجل الغريب. كل العيون كانت عليه. أخذ يعقوب بيد الرجل، وكانت يداه ترتعشان من الجوع أو الخوف. قاده إلى مكانه تحت شجرة التين، وأجلسه على الحصيرة التي كان يجلس عليها. ثم التفت إلى إيليا وقال: “يا إيليا، هل من ماء؟”
قفز إيليا من مكانه كما لو كان ينتظر الأمر. ذهب مسرعاً إلى دكانه المجاور وأحضر جرّة ماء طينية باردة وكسرة خبز من طعام عائلته المتواضع. قدمها للرجل الغريب دون أن ينطق بكلمة. الرجل أمسك بالخبز بيديه المرتعشتين وبدأ يأكل بشكر واضح في عينيه.
عاد يعقوب ليجلس على الأرض بجانب الرجل الغريب، ثم رفع بصره إلى متى وإلى الجمع الذي بدأ يتكاثر.
“إخوتي الأحباء”، بدأ صوته هادئاً لكنه يملأ الساحة الصغيرة. “تسمعون النصوص تقول: ‘تحب قريبك كنفسك’. هذا حسن. ولكن هل يكفي أن تقولوا لهذا المتعب الجائع: ‘اذهب بسلام، استدفئ واشبع’، ولا تعطوه ما يحتاج جسده؟ أي نفع في ذلك؟”
كانت كلماته تسقط كقطرات مطر على تربة قلوبهم. واستمر: “الإيمان، إن لم يكن له أعمال، فهو ميت في ذاته. صحيح أن الخلاص هو نعمة من الله، ولكن النعمة الحقيقية لا تبقى خفية. هي كالشجرة الجيدة، لابد أن تثمر. هل تقولون أنكم تؤمنون بالله الواحد؟ هذا حسن. حتى الشياطين يؤمنون ويقشعرون! ولكن الفارق، يا أحبائي، هو أن الإيمان الحي يحرك اليد لتعطي، والقدم لتمشي نحو المحتاج، والقلب ليتألم مع المتألم”.
توقف قليلاً، ونظر إلى متى، ثم إلى إيليا، ثم إلى الرجل الغريب الذي كان قد شرب آخر قطرة ماء. “انظروا إلى هذا الأخ. عندما دخل، رأى بعضكم غبار ثيابه قبل أن يرى عينيه. رأى بعضكم احتمال الخطر قبل أن يرى الاحتياج. ولكن الإيمان الحقيقي يراه إنساناً، خلقه الله كما خلقك. الإيمان الحقيقي لا يميز بين غني وفقير، بين نظيف ووسخ. لأنكم لو أكرّمتم الغني بثيابه الفاخرة وقلتم له: ‘تفضل اجلس هنا في المكان الكريم’، وقلتم للفقير: ‘قف هناك أو اجلس عند موطئ قدمي’، أفلستم تميزون بين أنفسكم وتصيرون قضاة بأفكار شريرة؟”
ساد صمت عميق. حتى حفيف أوراق التين بدا عالياً. كان وجه متى شاحباً. بينما بدأت عينا إيليا تلمعان بفهم جديد.
“ألا تذكرون راحاب الزانية؟” تابع يعقوب. “بالإيمان قبلت الجاسوسين. ولكن إيمانها ما كان لينفعها لو لم تكن قد عملت بأمانة وأرسلتهما بطريق آخر. الإيمان بدون أعمال كالجسد بدون روح. بارد. بلا حياة”.
نهض الرجل الغريب، ونظر إلى يعقوب بعينين دامعتين. ثم انحنى احتراماً، وخرج من الساحة بهدوء، لكن مشيته كانت الآن أكثر انتصاباً.
أما يعقوب، فقد أطبق يديه معاً وقال كلماته الأخيرة تلك الليلة: “لا تخدعوا أنفسكم. الدين الطاهر النقي عند الله الآب هو هذا: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم. الإيمان هو الطريق، ولكن الأعمال هي الخطوات. ومن لا يخطو، يبقى مكانه”.
تفرق الجمع في صمت، كل يحمل حديثه مع قلبه. وكانت النجوم قد بدأت بالظهور في سماء الليل، كأنها عيون صغيرة تراقب، وتتذكر.




