كان اليوم يلفظ أنفاسه الأخيرة على كورنثوس، وكان الهواء البارد القادم من البحر يحمل رائحة ملحٍ وترابٍ قديم. جلستُ في ظلّ الدار المتواضعة، أصابعي تتلمس مخطوطة بالية، ليست من جلودٍ ثمينة، بل من ورقٍ بسيطٍ كُتبت عليه بكثير من الاهتزاز كلمات صديقي بولس. لم تكن الحروف مجرد حبر على صفحة، بل كانت كالنار تحترق في صدره يوم أرسلها إلينا.
تذكرت وجهه، المُجعد من السُّفر، والعيون التي تشعّ كجمر تحت الرماد. كان يتحدث دائماً عن “الآن”، عن هذه اللحظة بالذات التي هي “وقت مقبول”. كنت أرى معنى كلماته ليس في قصور الحكام، بل هنا، في هذا المكان. زوجتي راحيل كانت تُعدّ خبز الشعير على النار، وابني الصغير يلعب بقطعة خشب، وصوت جارنا الحداد يصل من بعيد كدقّات نادمة.
قرأت: “وَكُوفِئْنَا بِأَنْ لَا نُعْطِيَ فِي شَيْءٍ مَعْذِرَةً لِلْخِدْمَةِ، لِكَيْ لَا تُعْطَبَ خِدْمَتُنَا”. تنهدت. كم كانت خدمتنا معيبة في أعين الناس! لا هيبة لنا، ولا ثروة. كنا كأوانٍ خزفية يحملها البعض باحترام، ويرميها آخرون في زاوية الإهمال. كان بولس نفسه، حكيم الرب، يُساق في الشوارع كمجرم، بينما خطباء المدينة يتبارون باللفتات البليغة والثياب الفاخرة.
انطلقت ذاكرتي إلى ذلك اليوم الماطر، حين جاءني فيلبس الشاب، ابن التاجر الثري، وقد غمرته الحيرة. قال: “كيف تطلبون منا أن نسمع لرجل سُجن، جُلِد، تجول وهو جائع وعطشان؟ أين قوة إلهكم؟”. لم أجب بكلمات بولس في الحال. أمسكت بإبريق الماء الخشبي وسكبت له في كأس خزفي بسيط. قلت: “اشرب”. شرب وهو يتطلع إليّ. ثم سألته: “أيتكسر هذا الكأس إذا سقط؟”. قال: “طبعاً”. قلت: “والكأس الذهبي في بيت أبيك؟”. قال: “قد ينتثر ولا ينكسر”. قلت: “لكن الكنز الحقيقي، الماء الحي، أيّهما يحمله؟ كلانا. لكن الخزف يذكرك أن الكنز لا يعود للإناء، بل لما بداخله”.
كان ذلك هو الجوهر. الخدمة التي لا عذر لها. في صبر طويل، في شدة، في ضيقات، في سجون، في اضطرابات. لقد عاشها بولس. وعلينا أن نعيشها هنا، في كورنثوس التي تعجّ بالثراء والفقر، بالمعرفة والجهل، بالفضيلة والرذيلة. كتب بولس عن “أسلحة البرّ لليمين واليسار”. نظرت إلى يداي، المُتشققتان من العمل في حقل الجيران لقاء قوت يومنا. هذه يمنى، وهذه يسرى. ليس فيهما سيف ولا ترس، بل فقط القدرة على العمل، وعلى الرحمة.
وصلت في القراءة إلى تلك القائمة التي كأنها سِفْرُ تناقضات: “بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ، بِصِيتٍ سَيِّئٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ”. ضحكتُ ضحكة مكتومة. نعم! كم سمعنا الناس يقولون: “مُضلّون”، وسمعنا آخرين، قليلين، يهمسون: “خدام الله”. كنا كالمشعوذين في أعين البعض، وكالملائكة في أعين البعض الآخر. والغريب أن كِلا الوصفين لم يغير في خطوتنا شيئاً. كنا صادقين دائمًا، حتى عندما كان الصدق يقودنا إلى السجن. مجهولين، ومع ذلك معروفين من كل من احتاج إلينا.
راحيل جلست إلى جانبي، سألتني: “ماذا كتب المعلم؟”. أمسكت بيدها، يدًا خشنة مثلي، وقرأت: “يَا أَوْلَادِي، لَا تَتَّسِعُوا لِلْغُرَبَاءِ”. قالت وهي تبتسم: “لكن بيتنا ضيّق، وطعامنا قليل”. أومأت: “الأمر ليس بالاتساع المكاني، يا حبيبتي. بل بالاتساع هنا”. ووضعت يدي على صدرها. “بولس لا يتكلم عن غرف الاستقبال، بل عن قلوبنا. أن نكون فقراء، ونُغني كثيرين. أن لا نملك شيئًا، ونتملك كل شيء”.
كان الولد قد نام، وصارت النجوم تتلألأ فوق كورنثوس. فكرت في “هيكل الله الحي”. ليس هيكلًا من رخام، بل من بشر. نحن، بضعفنا، بصبرنا، بحبنا الذي لا ينكسر أمام الجلد أو الجوع أو التشهير. هيكل يقام في الشارع، في السوق، في بيت الخاطئ، في زنزانة السجن. هيكل تحرسه نعمة الله وحدها.
قمت أخيرًا، وأطفأت المصباح الزيتي. في الظلام، تلمع كلمات بولس كما كانت تفعل دائمًا: “اُنْظُرُوا. الآنَ هُوَ وَقْتُ إِجَابَةٍ. الآنَ هُوَ يَوْمُ خَلاصٍ”. لم يكن اليوم مجرد تاريخ، بل هو هذه اللحظة، حيث أنا، رجل فقير في بيت متواضع، أحمل في قلبي كنزًا لا يُقدّر، وأمدّ يدي إلى من حولي من غرباء، لكي يصيروا، بنعمة الذي دعانا من الظلمة إلى نوره العجيب، أبناءً.
غلبني النعاس أخيرًا، وأنا أفهم أن الخدمة الحقيقية هي أن تعيش هذا التناقض المقدس: أن تُحسب كميت، وأنت حيّ. أن تُجلد، وأنت غير مهزوم. أن تحزن، وأنت في فرح لا ينطق به. لأن القوة الكاملة تظهر في الضعف الكامل. وهذا هو سرّنا، سرّ الخزف الذي يحمل الجوهرة، سرّ الأواني الأرضية التي تتلألأ بنور السماء.




