فَتَحَ يُوحَنَّا عَيْنَيْهِ عَلَى مَشْهَدِ الْبَحْرِ، وَكَانَ الْبَحْرُ هَائِجًا كَقَلْبِ خَائِفٍ، تَتَصَاعَدُ أَمْوَاجُهُ الزَّبْجِيَّةُ وَتَتَحَطَّمُ عَلَى صُخُورِ الشَّاطِئِ الصَّمَّاءِ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مِيَاهًا عَادِيَّةً، بَلْ شِبْهُ غَلاَيَةٍ مِنْ حِكَايَاتِ قَدِيمَةٍ عَنْ الْفَزَعِ وَالْعُمْقِ. وَفَجْأَةً، مِنْ جَوْفِ ذَلِكَ الْهَيَولَى، بَدَأَ شَيْءٌ بِالْخُرُوجِ. لَمْ يَكُنْ خُرُوجًا سَرِيعًا، بَلْ كَاسْتِيقَاظِ كَائِنٍ مِنْ سُبَاتٍ طَوِيلٍ، مُثْقَلًا بِكُرْهِ الزَّمَنِ.
ظَهَرَتْ أَوَّلًا قَرْنٌ، ثُمَّ اثْنَانِ، سَبْعَةُ قُرُونٍ كُلُّهَا تَحْمِلُ عَلَى أَجْبَاهِهَا أَسْمَاءَ جُرْمٍ وَتَهَتُّكٍ. وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُتَسَاوِيَةً؛ بَعْضُهَا ذَابِلٌ كَغُصْنٍ مَقْطُوعٍ، وَبَعْضُهَا شَامِخٌ كَسَنٍّ مِنْ حَدِيدٍ. ثُمَّ ارْتَفَعَتْ رَأْسُ الْوَحْشِ، وَجِلْدُهُ كَجِلْدِ نَمِرٍ مُرَقَّطٍ بِآثَارِ حُرُوبٍ لَا تَعْرِفُهَا الأَرْضُ، وَقَوَائِمُهُ ضَخْمَةٌ كَقَوَائِمِ الدُّبِّ، تَخُطُّ فِي الْمَاءِ وَتَجُرُّ خَلْفَهَا ذُيُولَ دَمٍ وَأَسْنَانًا كَأَسْنَانِ الأُسُودِ. كَانَتْ هَيْئَتُهُ جَمْعًا غَرِيبًا مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ رَآهُ الْقَلْبُ الْبَشَرِيُّ فِي كَابُوسٍ، مُلْتَصِقَةً فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ يَزْفُرُ سُخْطًا.
وَلَكِنَّ الأَمْرَ الَّذِي جَمَدَتْ عِنْدَهُ أَنْفَاسُ الْمُشَاهِدِينَ مِنَ الْجَمَاهِيرِ الْمُتَخَيَّلَةِ عَلَى الشَّاطِئِ، لَمْ يَكُنْ هَيْئَتَهُ، بَلْ جُرْحُهُ. جُرْحٌ عَمِيقٌ فِي جَانِبِ رَأْسِهِ، جُرْحٌ قَاتِلٌ بِكُلِّ مَقَايِيسِ الْحَيَاةِ. لَحْمٌ مُمَزَّقٌ وَعَظْمٌ بَادٍ، كَأَنَّ سَيْفًا قَدْ نَفَذَ مِنْهُ. وَلَكِنَّ الْجُرْحَ لَمْ يَكُنْ يَنْزِفُ، بَلْ يَتَنَفَّسُ. نَعَمْ، يَتَنَفَّسُ بِخُفُوتٍ، وَكَانَ يَبْعَثُ بُخَارًا دَافِئًا كَنَفَسِ مَرِيضٍ فِي لَيْلَةٍ شَتْوِيَّةٍ. وَمِنْ هَذَا الْجُرْحِ الْقَاتِلِ، الْبَالِي، خَرَجَتِ الْحَيَاةُ الْجَدِيدَةُ لِلْوَحْشِ. فَانْطَلَقَتْ هِتَّافَاتُ الْجُمُوعِ الَّتِي رَأَتْهُ: “مَنْ يُشَابِهُ الْوَحْشَ؟ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَارِبَهُ؟”.
وَأَعْطَتْهُ الْقُوَّةُ الْقَادِمَةُ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ فَمًا يَتَكَلَّمُ بِكِبْرِيَاءٍ وَتَجَادِيفَ، وَسُلْطَانًا لِيَسْتَمِرَّ أَرْبَعِينَ وَشَهْرَيْنِ. لَمْ تَكُنْ كَلِمَاتُهُ مُجَرَّدَ أَصْوَاتٍ، بَلْ كَانَتْ كَالسِّكِّينِ تَشُقُّ هَوَاءَ الْعَالَمِ، تُحَرِّضُ عَلَى الْحَرْبِ ضِدَّ السَّمَاءِ وَضِدَّ مَنْ فِيهَا. وَانْطَلَقَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ: يُحَارِبُ الْقِدِّيسِينَ وَيَغْلِبُهُمْ، لَيْسَ بِالسَّيْفِ وَحْدَهُ، بَلْ بِالْقَانُونِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ، وَبِالسُّلْطَةِ الَّتِي سُلِّطَتْ عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ وَشَعْبٍ وَلِسَانٍ وَأُمَّةٍ.
ثُمَّ بَدَا الْمَشْهَدُ يَتَغَيَّرُ. لَمْ يَعُدِ الْبَحْرُ هُوَ الْمَسْرَحَ الْوَحِيدَ. فَالأَرْضُ نَفْسُهَا، الَّتِي تَظُنُّ نَفْسَهَا أَمِينةً، بَدَأَتْ تَتَحَرَّكُ. مِنْ بَطْنِ التُّرَابِ، مِنْ عَقِبِ الْجِبَالِ وَأَحْشَاءِ الْوَادِي، خَرَجَ وَحْشٌ آخَرُ. لَمْ يَكُنْ كَالْأَوَّلِ فِي الْهَيْبَةِ، بَلْ كَانَ أَكْثَرَ خِدَاعًا. كَانَ شَبِيهًا بِخَرُوفٍ صَغِيرٍ، نَاعِمَ الصَّوْتِ، رَقِيقَ الْحَرَكَةِ. لَكِنَّهُ لَمَّا اقْتَرَبَ النَّظَرُ، إِذَا هُوَ يَتَكَلَّمُ كَتْنِينٍ عَتِيقٍ. وَلِسَانُهُ لَهُ حِدَّةُ السَّيْفَيْنِ، وَنَظَرَتُهُ تَحْمِلُ وَعْدًا زَائِفًا بِالسَّلامِ.
وَسَارَ هَذَا الثَّانِي وَرَاءَ الْأَوَّلِ بِإِجْلَالٍ مُصْطَنَعٍ، كَخَادِمٍ أَمِينٍ. وَبَدَأَ عَمَلَهُ الْخَفِيَّ: إِقْنَاعَ سُكَّانِ الأَرْضِ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ تُكْتَبْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سِفْرِ الْحَمَلِ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، بِأَنْ يَصْنَعُوا صُورَةً لِلْوَحْشِ الْأَوَّلِ، لِذَاتِ الْوَحْشِ الَّذِي جُرِحَ وَعَاشَ. وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ صُورَةً مِنْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ صُورَةً تَتَحَدَّثُ، تَطْلُبُ، بَلْ تَأْمُرُ. وَأُعْطِيَ لِهَذَا الْوَحْشِ الثَّانِي، وَحْشِ الأَرْضِ، أَنْ يُنْفِسَ حَيَاةً فِي صُورَةِ الْوَحْشِ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ الصُّورَةُ وَتَفْعَلَ شَتَّى الأُمُورِ، بَلْ وَتَقْتُلَ كُلَّ مَنْ لَا يَسْجُدُ لِتِلْكَ الصُّورَةِ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْحِكَايَةُ الْأَشْبَهُ بِالْكُابُوسِ: السِّمَةُ. لَمْ يَعُدِ الْأَمْرُ مُجَرَّدَ سُجُودٍ خَارِجِيٍّ أَمَامَ تِمْثَالٍ. بَلْ أَصْبَحَ شَيْئًا أَكْثَرَ خُفُوتًا وَأَعَمَقَ اخْتِرَاقًا. فَوَحْشُ الأَرْضِ، بِصَوْتِهِ النَّاعِمِ وَحِدَّتِهِ الْخَفِيَّةِ، أَجْبَرَ الْجَمِيعَ – صَغِيرًا وَكَبِيرًا، غَنِيًّا وَفَقِيرًا، حُرًّا وَعَبْدًا – أَنْ تُوضَعَ عَلَى أَيْدِيهِمِ الْيُمْنَى أَوْ عَلَى جِبَاهِهِمِ سِمَةً. لَمْ تَكُنْ سِمَةً مَرْئِيَّةً لِلْعَيْنِ الْبَشَرِيَّةِ الْبَسِيطَةِ، بَلْ كَانَتْ كَالخَتْمِ الْمَنْقُوشِ فِي الْهَوِيَّةِ نَفْسِهَا، فِي قَرَارَةِ الْقَلْبِ. وَتِلْكَ السِّمَةُ كَانَتْ اسْمَ الْوَحْشِ، أَوْ رَقْمَ اسْمِهِ: سِتَّةُ مِئَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ.
وَبِدُونِ هَذِهِ السِّمَةِ، لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِي. أَصْبَحَتِ الْحَيَاةُ نَفْسُهَا مَمْنُوعَةً. فَالتِّجَارَةُ تَوَقَّفَتْ عَنْ أَبْوَابِ الَّذِينَ رَفَضُوا، وَالصَّنَادِيقُ فَارِغَةٌ عَلَى الرُّفُوفِ، وَالْأَسْوَاقُ صَامِتَةٌ حَوْلَهُمْ. كَانَ الْبَقَاءُ مُرْتَبِطًا بِتِلْكَ الْخُطُوطِ الْخَفِيَّةِ عَلَى الْجَبِينِ أَوْ الْكَفِّ، خُطُوطٍ تُشْبِهُ فِي غُرُوبِهَا وَارْتِفَاعِهَا رَقْمَ السِّتَّةِ، الْمُتَكَرِّرِ، الْمُحَاصِرِ.
وَهَنا، بَيْنَ الْجُرْحِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ وَالصُّورَةِ الَّتِي تَتَكَلَّمُ وَالسِّمَةِ الَّتِي تَحْكُمُ، وَقَفَ الْقَلِيلُونَ. لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سِلَاحٌ يُذْكَرُ، وَلَا حِكْمَةٌ أَرْضِيَّةٌ. كَانَ لَهُمْ اسْمٌ مَكْتُوبٌ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَكَانَ لَهُمْ صَبْرُ الْقِدِّيسِينَ. وَبَيْنَمَا كَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا تَتْبَعُ الْوَحْشَ بِعَجَبٍ مُشْتَعِلٍ، وَيَخْتَلِطُ هَدِيرُ الْبَحْرِ بِهَمْسَاتِ الْأَرْضِ الْخَادِعَةِ، سَمِعَ يُوحَنَّا صَوْتًا وَاحِدًا يَقْطَعُ الْهَوَاءَ كَنَذِيرٍ قَدِيمٍ: “مَنْ لَهُ أُذُنٌ، فَلْيَسْمَعْ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ لِلسَّبْيِ فَإِلَى السَّبْيِ يَذْهَبُ. مَنْ يَقْتُلُ بِالسَّيْفِ فَبِالسَّيْفِ يَقْتُلُ. هَهُنَا صَبْرُ الْقِدِّيسِينَ وَإِيمَانُهُمْ”.
وَبَقِيَتِ الْكَلِمَاتُ تُرَدِّدُ نَفْسَهَا فِي الْمَلَأِ الْخَالِي، بَيْنَمَا كَانَ الْوَحْشَانِ وَصُورَتُهُما يُعِدُّونَ عَالَمًا جَدِيدًا، لَحْمَهُ مِنَ الْخَوْفِ وَعِظَامَهُ مِنَ الْأَرْقَامِ، وَرُوحَهُ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ الْعَتِيقِ الَّذِي لَا يَمُوتُ.




