وبينما كان الظل يمتدّ شيئاً فشيئاً، غَمرَ صمتٌ ثقيل سهلَ شنعار. توقف زقزقة العصافير، وخفتت أصوات الوحوش البعيدة. فقط حفيف أجنحة طيرٍ عابر، أو صوت حافر يضرب الأرض الجافة. كان العالم ينتظر.
نظر نوح إلى السماء. لم تكن هناك سحابة واحدة. زرقة صافية تعلو كل شيء، كقبة زجاجية شاسعة. تذكر كلمات الرب، تلك الكلمات التي حفرت في قلبه كالنقش في الحجر: “لأني بعد سبعة أيام أُمطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة، وأمحو عن وجه الأرض كل قائم عملته.” سبعة أيام. وها قد مضت. شعرت قدماه بثقل السنين، لكن قلبه كان مليئاً سلاماً غريباً، سلاماً لا يفهمه سوى من سار مع الله في زمنٍ أعرضَ الجميع فيه عن دربه.
دخل إلى جوف الفلك. رائحة الخشب المعتّق، رائحة القار، رائحة القش الجاف. أصوات مكبحة للحيوانات في أقسامها، همسات أبنائه، ودعاء زوجته. كان الفلك عالماً قائماً بذاته، عالماً من الظلال والصدى، مملوءاً حياةً هادئة قبل العاصفة.
وفي اليوم السابع عشر من الشهر الثاني، حينما كانت الشمس في كبد السماء، سمعوا أولى القطرات.
لم تكن كقطرات المطر العابرة. بدت كصوت رأس إبرة تسقط على جلد طبل مشدود. ثم أخرى. ثم أصبح الصوت مطراً رتيباً، لا عاصفاً في البداية، بل مثابراً، رتيباً، كدموع السماء التي لا تتوقف.
لكن الأرض لم تلتقط هذه الدموع. فجأة، كما لو أن صدر الأرض قد انشقّ، انفجرت ينابيع الغمر العظيم من أعماق لم يكن البشر يعرفونها. لم تكن مجرد مطر. كان تحركاً للقواعد التي يقوم عليها العالم. ارتفعت المياه من تحت، وانهمرت من فوق، في لقاء رهيب كان سيمحو كل خطأ ارتكب على وجه اليابسة.
صار صوت المياه زئيراً واحداً يملأ الكون. اهتز الفلك، ثم استقرّ، ثم بدأ يرتفع. لم يرتفع بسرعة، بل بثقة كتلةٍ تحررها المياه من عناق الأرض. نظر نوح من الفتحة إلى أسفل. رأى قريته، تلك التي عاش فيها قرناً من الزمان، تغوص في مياه طينية. رأى أشجار السندسان التي كان يجلس تحتها، مذاري الحصاد، كل ما عرفه البشر من حياةٍ وبناء، يغوص في الغمر.
ورأى الناس. كانوا يجري في البدء، ثم يصعدون إلى التلال. صعدت المياه وراءهم. رأى أيديهم تلوح، أفواههم مفتوحة بالصراخ، لكن زئير المياه والريح كانا يبتلعان كل صوت. ثم لم يعد يرى شيئاً سوى الأمواج، تتلاطم تحت سماء من حديد أسود. كان المطر لا يتوقف. أربعون يوماً وأربعين ليلة، كما قيل. لكن تلك الساعات الأولى كانت أقسى ما رأت عيناه. ذاك التحول من عالم إلى لا عالم. من ضجيج الحياة إلى صمت الموت المطبق تحت العاصفة.
داخل الفلك، كان هناك حياة. كان هناك همهمة خافتة، رنين أوعية الماء، تنهدات، وصلاة متواصلة. كان هناك رائحة الحيوانات، ورائحة الخبز المخبوز. كان هناك دفء الأجساد في عالم من البرد الرطب الذي تسلل من كل شق. كان هناك أطفال – أحفاده – تنظر عيونهم الواسعة إلى الجدّ، تبحث في وجهه عن تفسير، وهو لا يجد ما يقول سوى أن يربت على رؤوسهم، ويقول: “الرب معنا.”
ارتفع الفلك فوق القمم. فوق الجبال التي ظنها الناس أبدية. طافت سفينة الخشب على وجه الغمر، وحيدة، وحيدة بشكل يقطع القلب. كل مجد البشر، كل طموحهم، كل آثامهم، تحت تلك المياه. فقط هذه الصنعة، هذا الصندوق العظيم الذي كلفه سخرية الجميع، هو الذي صمد.
وفي الليالي، حينما كان المطر لا يزال يقرع على السطح كأصوات آلاف الطبلات، كان نوح يسير في الممرات بين حظائر الحيوانات. يلمس رأس بعير مستلقٍ، أو يسمع زئير أسد مكتوم في قفصه المتين. كان كل زوج، كل ذكر وأنثى، نواة لعالم جديد. وكان هو، الشيخ الذي تجاوز الستمائة عام، حارس هذه النوى. حمل معه ذاكرة العالم القديم: أسماء الأنهار التي جفت، وجوه الأصدقاء الذين رفضوا الصعود، أغاني الحصاد التي لن تُغنّى بعد اليوم.
وبعد الأربعين يوماً، توقف المطر.
لم يتوقف فجأة. بل خفّ تدريجياً، من زئير إلى هسيس، ثم إلى بضع قطرات متباعدة، ثم إلى ذلك الصمت الذي هو أقسى من الضجيج. صمتٌ ثقيل، ممتد، مريب. لم يعد هناك صوت ماء من فوق. فقط تمايل الفلك الهادئ على سطح مياه لا نهاية لها، تحت سماء ما عادت تبكي.
استمرت المياه تعلو. مئة وخمسون يوماً. عالم من ماء، وسماء، وخشب يئنّ. عالم من الانتظار. زرعوا القليل من الحبوب في أوعية. روّضوا الخوف في قلوب الصغار. حفظوا القصص. صلّوا. وانتظروا. كان الانتظار جزءاً من الخلاص.
وفي النهاية، تذكر الله نوحاً. لم يكن صوتاً يسمعه الأذن. كان إحساساً في الروح، كتغيير في نبض العالم نفسه. بدأت المياه تتراجع. وجد الفلك مرساه على جبال أرارات، وكانت القمم تظهر كأصابع تخرج من قبر مائي شاسع.
لكن تلك قصةٌ أخرى. أما في تلك الأيام، في جوف الفلك المظلم، المملوء بأنفاس المخلوقات ورائحة الأمل، فقد كانوا أحياء. بينما كان كل لحم يتحرك على الأرض يلفظ أنفاسه الأخيرة، كانت هناك، في قلب العاصفة، نواة حياة واحدة، تطفو على سطح الغضب، تحمل في طياتها وعداً قديماً: أن نعمة الرب أعظم من خطيئة الإنسان. وأن في نهاية كل طوفان، تظهر يمامة تحمل غصن زيتون أخضر.




