كان النهار يتنفس ببطء، كحشرة عملاقة تستلقي تحت شمس تشرين. ارتفعت الحرارة من تراب الدرب كأرواح صاعدة، تلاشت حيث تلامس جبين عومري المتعرق. كان يحمل سلة من تين مجفف، ومن خلفه، في المرتفع، بدت قرية “صفاة” كمجموعة حجارة رمادية ألقتها يد عملاق ثم نسيها.
المسار كان مألوفاً لعومري، كخطوط كفه. لكن اليوم كان مختلفاً. كانت الكلمات التي سمعها من الشيخ أمس لا تزال تدور في رأسه كذراع طاحونة. “احفظ ما أمرك، لتكون مقدساً للرب إلهك”. الكلمات كانت ثقيلة، كحجارة الطاحونة نفسها. توقف تحت ظل سندبة قديمة، وضع السلة على الأرض، وتمتم: “مقدس… لكني رجل أرض، يزرع ويحصد، يأكل وينام. كيف لي أن أكون مقدساً؟”
نظر إلى السلة. التين كان من بستانه، من الشجرة التي غرسها أبوه. لكنه تذكر كلام التثنية: “لا تأكلوا رجساً ما”. انحنى، وأخذ حبة تين، تدحرجت في كفه المتشققة من العمل. الفاكهة كانت حلوة، مباركة. لكن الذهن انتقل إلى اللحم. إلى الحمل الذي ذبحه الأسبوع الماضي. إلى الطيور التي يصطادها أحياناً. ها هو الرب يرسم لهم حدوداً، حدوداً بين الطاهر والنجس، بين ما يؤكل وما يرفض. النسر، النّسر، الرخمة… أسماء طيور كانت تعبر سماء قريته كل يوم. كانت بالنسبة له مجرد ظلال سابحة في الفضاء. أما الآن فقد صارت كلمات في شريعة، علامات على طريق القداسة.
رفع عينيه إلى السماء، زرقة صافية تلمع كسطح بحيرة بعيدة. فكر: “ألهذا الحد يهتم الرب بما ندخله إلى أفواهنا؟” ثم تذكر عبارة أخرى: “لأنك شعب مقدس للرب إلهك”. الشعور غمره كموجة دافئة. لم يكن الأمر مجرد قائمة محظورات. كان هوية. كان اختياراً. كان الرب قد اختبرهم من بين شعوب الأرض ليكونوا خاصته. الطعام لم يكن مجرد غذاء؛ كان لغة، كان اعترافاً، كان انتماء.
سار من جديد، وحفيف أشجار الزيتون يصاحبه همساً. مر بمزرعة جاره، حيث كانت الخراف ترعى. الخروف، الماعز، البقر… كلها حلال. لكنه تذكر التحذير: “لا تطبخ جدي بلبن أمه”. لم يفهم السبب بالضبط، لكنه أدرك أن في الشريعة حكمة أعمق من فهمه. ربما لتذكيرهم بالرحمة، بعدم الخلط بين مصادر الحياة. الحياة لها قدسيتها، حتى في الطبخ.
وصل إلى حافة القرية، حيث يبدأ طريق الصعود إلى الهيكل. اليوم ليس عيداً، لكنه تخيل المشهد: الناس قادمون من كل فج، يحملون عشورهم: من حقل القمح، من معاصر الزيتون، من سلاق الخمر. “وتأكل هناك أمام الرب وتفرح”. الوجه امتقع قليلاً. الفرح. نعم، كان هذا هو القلب. القداسة ليست عبوساً وانقطاعاً، بل هي فرح في حضرته. الأكل أمامه، مع العائلة، مع الغريب واليتيم، هذه هي العبادة الحقيقية.
دخل بيته، وكانت رائحة خبز القمح الحديث تفوح من الموقد. وضع السلة، وجلس على حصير منسوج. نظر إلى أولاده الصغار وهم يلعبون في الزاوية. تذكر الأمر بإعطاء العشر كل سنة ثالثة للّاوي والغريب واليتيم والأرملة. الضمير ناداه: كان قد بخس العام الماضي في تقدير العشر. قرر في نفسه أن يعوّض هذه السنة.
مع حلول المساء، اجتمع حول المائدة. خبز، زيتون، جبنة ماعز، وبعض البقول. قبل أن يبدأ الأكل، رفع عينيه. صمت لحظة. ثم قال بصوت هادئ، كأنه يخاطب شخصاً حاضراً في الظل: “بارك أيها الرب طعامنا، واجعلنا أهلاً لأن نكون لك شعباً مقدساً”. لم تكن صلاة معتادة. كانت اعترافاً جديداً. كان قبولاً للنداء.
وفي تلك اللحظة، بينما كانوا يأكلون في صمت مطبق، لم يعد اللقمة مجرد لقمة. كانت علامة عهد. والبيت المتواضع، بجدرانه الطينية وسقفه من الجريد، لم يكن مجرد سقف. كان قدساً صغيراً، حيث يسكن شعب اختاره الرب، ويصحوه في تفاصيل طعامه وشرابه، ليذكره دائماً: أنت لي، وأنا لك.




