الكتاب المقدس

عهد سليمان الذهبي

كان الضوء الذهبي للصباح الباكر ينساب عبر نوافذ القصر العالي، حاملاً معه عبق زهر البرتقال من البساتين البعيدة. في الغرفة الواسعة المبطنة بخشب الأرز، جلس سليمان على كرسيه، ليس عرش الملك فحسب، بل كرسي الحكمة الذي منحه إياه الرب. لم تكن العظمة حوله مجرد رخام وذهب، بل كانت نظاماً بديعاً، هدوءاً عميقاً ينبض بترتيب إلهي.

في تلك الأيام، كانت المملكة ممتدة من نهر الفرات العظيم إلى تخوم مصر، راسخة كالجبال. وكان السلام، سلام “شالوم” الرب، يغطي الأرض كندى منساب. لم يعد صوت سيف يُسمع، ولا حافر فرس يُرى في حرب. كان الرجال يعملون في كرومهم ويقطفون من تينهم ويجلسون تحت كرومهم وتينهم، آمنين.

وكان لسليمان اثنا عشر وكيلاً على جميع إسرائيل، يُمونون بيت الملك وحاشيته. كل واحد منهم في شهر من السنة. أتذكر منهم بن حور، في جبل أفرايم، كان رجلاً صموتاً، يفحص أرضه في الصباح الباكر كمن يقرأ مخطوطة ثمينة. كانت حقوله تنتج زيتوناً دسماً، وكرومه عناقيد ثقيلة كالذهب الأحمر. وكان بن دقير، في مقاطعات ما قبل يوقعام، رجلاً يحب الأرض ويعرف أسرارها. كان يزرع الكزبرة والخيار تحت ظلال الأشجار، ويخرج في الشهر المخصص له بمؤونة تملأ المخازن، ووجهه مُحمرّ من الشمس وعلامات الرضى في عينيه.

وكانت مؤونة سليمان اليومية ضخمة: ثلاثون كوراً من الدقيق الناعم، وستون كوراً من الدقيق الخشن، وعشرة ثيران مسمنة، وعشرون ثوراً من مراعي باشان، ومئة خروف، عدا الأيائل والظباء والطيور المستأنسة. كانت المطابخ الملكية ورشة عمل دائمة، دخانها المعطر بالزعتر وإكليل الجبل يصعد كبخور شكر. وكان الطباخون، تحت إشراف عزريامو، يعدون الأطعمة ليس بتبذير، بل بوفرة تليق بمجد المملكة التي باركها الرب.

أما الخيل فكانت ألفاً وأربع مئة، والخيل التي لجلالة الملك كانت تأتي من مصر وكوى، وتجار الملك كانوا يأخذونها من كوى بثمن. وكانت المركبات المطعمة بالعاج، والخيل المسرجة بأحزمة أرجوانية، تتحرك في أروقة الاستقبال كأنها جزء من موكب الخليقة نفسه. لكن عين سليمان كانت ترى أبعد من ذلك. كان يرى النظام في كل شيء: في دورة الفصول، في توزيع المهام، في تدفق المؤن من الريف إلى المدينة. كان هذا النظام صلاة صامتة لله الذي وهبه الحكمة.

وكان حكمه ممتداً على جميع الممالك، من النهر إلى أرض الفلسطينيين وإلى حدود مصر. كان الرسل يأتون حاملين الهدايا: عطوراً من سبأ، وأخشاب صندل من أوفير، وأقمشة مطرزة من دمشق. وكانوا يسمعون حكمته، فينصرفون وقلوبهم مملوءة دهشة، وهم يتحدثون عن رجل كلمته صارت نعمة، وحكمته فاقت رمل البحر.

وكان للرجل الحكيم، تحت الشمس، راحة وسلام. كان كل شعب يهوذا وإسرائيل آمناً، كل واحد تحت كرمته وتحت تينه، من دان إلى بئر سبع. كانت تسمع أغاني الحصادين وهم يدرسون القمح، وضحكات الأطفال وهم يلعبون قرب الجرار الفخارية المليئة بالزيت. كانت الأرض تقدم خيراتها كأنها تشارك في سيمفونية من البركة.

وفي الليل، حين تُضاء المصابيح في القصر، كان سليمان يخرج أحياناً إلى الشرفة. ينظر إلى أضواء أورشليم المنتشرة في السهل كنجوم حُبلى بالأمان. يتنهد تنهيدة عميقة، ممزوجة بالشكر والخوف. كان يعرف أن هذه الوفرة، هذا السلام، هذا المجد، هو عهد من الرب. نعمة مشروطة بطاعة الشعب وقلب الملك. وكان يدعو في صمته: “ليكن قلبي كاملاً أمامك يا رب، كما كان قلب داود أبي.”

وهكذا مضت الأيام، وسنة تلوا الأخرى، في عهد كان بحق عصر ذهبي. عصر كان الخبز فيه وفيراً، والعدل مستقراً، والحكمة تتدفق من عرش الملك لتسقي الأرض كلها. وكان اسم سليمان، والله معه، عبيراً يملأ الآفاق.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *