الكتاب المقدس

شفاء الروح في الظلام

كان الظلام يدب في زوايا الغرفة الضيقة، وكان هوامير الليل تبدأ همسها خلف الجدران الحجرية. جلس عاصف على حصيرته البالية، ظهره يستند إلى الجدار البارد، ونفسه يعلو ويهبط كأنما يحمل كل أوزار الأرض على صدره. المرض كان قد تسلل إلى جسده كسارق في الليل، أخذ من قوته شيئاً فشيئاً، حتى صار عاجزاً عن القيام إلى طقوسه اليومية في الهيكل. كانت الحمى تلتمع في عينيه، والعرق البارد يبلل جبينه الرغم من برودة الغرفة.

تذكر كلمات أبيه، رجل الله القديم، وهو يقول: “طوبى للذي يعتني بالمسكين. في يوم الشر ينجيه الرب.” كم من مرة أخرج خبزاً من فمه ليعطيه لمن هو أدوى منه حالاً؟ كم من مرة وقف إلى جانب المظلوم في الساحة، محامياً عنه بلسان صدق؟ لكن أين كانت تلك البركات الآن؟ كان يشعر كأن الرب قد أخفى وجهه عنه، وكأن خطايا خفية، أخطاء لا يتذكرها، تطارده في هذا الفراش المؤلم.

سمع وقع أقدام في الخارج، ثم دق الباب بخفة. “ادخل يا يوناثان”، همس بصوت أجش. دخل صديق عمره، حاملاً وعاءً من مرقة ساخنة. لكن عاصف رأى في عيني يوناثان نظرة لم يعتدها: نظرة مختلطة بين الشفقة والفضول، كمن يزور مشهد مصيبة ليحكّي عنها لاحقاً. قبل أن يشكر عاصف صديقه، سمع همسات خافتة من وراء الباب. “إنه من ضربات الرب، خطيئة ما قد فعلها في الخفاء”. ارتسمت عبارة المزمور القديم في ذهنه المتعب: “أما عدوّي فيقول عني شراً: متى يموت وينقرض اسمه؟”

وفي اليوم التالي، جاء آخرون. بعضهم جلس بضع لحظات، كلامهم ملتوي كالثعبان. يسألون عن صحته ثم يتبادلون النظرات. أحدهم، رجل كان عاصف قد ساعده ذات يوم في سداد دينه، قال له: “ربما تحتاج إلى تأمل في حياتك يا عاصف. المرض رسالة”. ثم خرجوا، وتركوه وحيداً مع ألمه وخيبة أمله. حتى أولئك الذين كانوا يأكلون خبزه، رفعوا عليه عقبهم. صاروا يتجنبون زقاقه، وكأن مرضه عدوى من الخطيئة لا من الجسد.

لكن في عزلة تلك الغرفة، حيث كان الظلام يغوص في أعماقه، تذكر. تذكر رحمة الرب التي لا تنقطع. تذكر كيف كان إلهه ملجأ للمنكسري القلب. صرخ من أعماقه، ليس بكلمات بليغة، بل بأنين ممزوج بالإيمان: “ارحمني يا الله، اشفِ نفسي، لأني قد أخطأت أمامك”. لم يكن نداء برّاً ذاتياً، بل كان اعترافاً بتقصيره وتوسلاً لمن يعرف أن رحمته أوسع من خطاياه.

لم يزل المرض فوراً. ولم يتحول أصدقاء الأمس إلى أصدقاء اليوم. لكن شيئاً ما بدأ يتحول في داخله. شعور غامر بأن الرب قد سمع. بأنه قريب من المنكسري الروح. بدأ يرى في مرضه اختباراً، وفي خيانة الأصدقاء تذكيراً بأن الوفاء الحقيقي هو وفاء الرب. همس بشفتين جافتين: “أما أنت يا رب فارحمني، وأقمني فأجازيهم”. لم تكن رغبة في انتقام، بل ثقة بأن العدل الإلهي سينصف، وأن النظرة الإلهية تزن الأمور بميزان يختلف عن موازين البشر.

وبعد أيام، حين بدأت القوة تعود إليه شيئاً فشيئاً، كأنما النور يخترق السحب الكثيفة، جلس على سريره وهو يشعر بضعف لا يزال يلفه، لكن معه سلام لم يعهده من قبل. نظر من النافذة الضيقة إلى السماء الصافية، وابتسم ابتسامة خفيفة. علم أن الرب قد قبله. أن رحمة الله لا تبطل. وأن هذه التجربة القاسية، بكل مرارتها، صارت شاهدة على نعمة قادرة أن تمسك به حتى في الدرك الأسفل. فكم بالحري سترفعه الآن؟

خرج إلى الشمس الدافئة بعد أيام، متمكناً على عصاه، وهو يردد في قلبه كلمات شكر لا تسعها الكلمات: “مبارك الرب إله إسرائيل، من الأزل وإلى الأبد. آمين ثم آمين”.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *