كان الجوّ بارداً حين جلسنا حول الموقد، ولهيب النار يرقص على الوجوه المتيقِّظة. الجدُّ، وكانت لحيته البيضاء تلمع في وهج الضوء، أخذ نفساً عميقاً قبل أن يبدأ حديثه، وصوته يختلط مع حفيف الشجر خارج الدار.
“اسمعوا يا أولادي، واذكروا. اذكروا عجائب القدير التي صنعها مع آبائنا منذ فجر الزمان. ليبارك الربُّ أفواهنا ونحن نُسَلسِلُ هذه الذكرى.”
تطلَّعنا إليه، ونحن نلهف لسماع الحكاية، ككل ليلة. ولكن الليلة كانت حكاية مختلفة، حكاية المزامير، حكاية الذكرى والشكر.
بدأ يروي، وكلماته تنساب كالنهر الهادئ العميق: “في البدء، كانوا قلَّة… حفنة من رجال غرباء، يتنقلون بين الممالك والعروش كالغرباء. إبراهيم، الرجل الوحيد الذي سمع النداء. إسحاق، الابن الموعود. ويعقوب… يعقوب الذي صارع وكُتب له النصرة.”
توقَّف قليلاً، ونظر إلى النار كما لو كان يرى الوجوه فيها. “وتلك الأيام… أيام الجوع والقحط، حين صارت الأرض قاحلة كالحجارة المحروسة. لكنّ في رحلة ذلك الجوع، كانت بذرة النجاة. يوسف… ذلك الغلام الذي باعه إخوته بثمن بخس، فصار عبداً في أرض غريبة. وكم تألم، وكم صبر. حتى جاء اليوم الذي وقف فيه أمام فرعون نفسه، لا كعبد، بل كمستشار الحكمة الإلهية. لقد جعله سيداً على بيته، وحاكماً على كلّ مقتناه.”
رفع الجدُّ يده، وكأنه يمسك بخيط الذكرى. “ثم جاءت السنوات العجاف، وامتد الجوع إلى حيث كان آباؤنا. فأرسل يعقوب بنيه إلى مصر، ولم يعلم أن الذي سيَلقونه هناك هو الدمُّ الذي فروا منه. ويا لعظمة التدبير! لقد عانق يوسف إخوته باكياً، لا منتقماً. وأتى بيعقوب وأهل بيته جميعاً، ونزلوا في أحسن أرض، في أرض جاسان، يرعون غنمهم في سلام.”
لكن نبرة الجدِّ تغيَّرت، وصارت أكثر حِدَّةً. “ثم قام ملك جديد على مصر، لم يكن يعرف يوسف. نظر إلى بني إسرائيل فخاف من كثرتهم، فقال: يجب أن نُذِلَّهم. فجعلوا عليهم رؤساء تسخير، ليعذِّبوهم بالأثقال، ويبنوا لهم مدائنَ مخزونة. عاش آباؤنا في مرارة العبودية، والطين واللبن ملأ أيامهم. ولكن… كلما ازدادوا اضطهاداً، كلما ازدادوا نمواً وانتشاراً. كانت نعمة الربِّ ترفرف فوقهم كالنسر، تحميهم من الاندثار.”
وهنا، اشتدت نبرة الحكيم، وارتسمت على وجهه ابتسامة معرفة عميقة. “فأرسل الربُّ موسى، ذلك الرضيع الذي نجا من السفط، والذي تربى في القصر ليصير مُخلِّصاً. وأرسل معه أخاه هارون. وذهبا إلى فرعون بآيات عجيبة، لكن قلب الملك قسا كالحجر. فما كان من ربنا إلا أن أرسل ضرباته… تحوَّلت مياه النيل إلى دم، فلم يعد يُشرَب. جاءت الضفادع فملأت بيوتهم ومضاجعهم. الذباب والوبأ والبرَد والجراد… كلها آتية بقدرة كلمته. أصاب بكرهم في الليلة الظلماء، فتحطمت عزيمة الجبارين.”
ساد صمتٌ مطبق، لا يُسمع إلا صوت خشخشة النار. ثم واصل الجدُّ حديثه بنبرة فيها انتصارٌ هادئ. “فأخرج شعبه بالفضة والذهب، ولم يكن في أسباطهم ضعيف. كانت مصر تفرح بتخلصها منهم! ساروا في النهار بغمامة، وفي الليل بنارٍ تضيء طريقهم. أطعمهم منَّاً من السماء، وشقَّ لهم الصخر فتفجَّرت منه أنهارٌ في القفر. لأنه تذكر عهده المقدس مع إبراهيم، ووعده لإسحاق، وقسمه ليعقوب. أعطاهم أراضي الأمم، وثمر تعب الشعوب، ليرثوها ويكونوا حريصين على فرائضه، وحافظين لشريعته.”
انتهى الكلام. بقي وهج الحكاية معلقاً في الهواء، كبخورٍ طيِّب. نظر الجدُّ إلينا واحداً واحداً، وعيناه تلمعان بحكمة الأزمنة. “هذه ليست مجرد حكاية ماضٍ، يا أبنائي. إنها ذكرى حية. نحن هنا، في هذا المكان، بسبب ذلك الوعد. فلتُسبح أفواهنا اسمه القدوس، ولتفتخر قلوبنا بالله الذي نختاره. لأنه إله أمانته إلى ألف جيل.”
خرجنا من عنده، وكأن الأرض تحت أقدامنا أكثر قداسة. والليل يلفُّ القرية، والنجوم تتلألأ في السَّماء، كأنها شهود صامتة على عهود لا تنقضي.




