يا رب، لو تشقّ السموات وتهبط،
تذوب الجبال من وجهك
كما يذوب الشمع في النار.
هكذا صلّينا، نحن البقية الباقية، في أرض المنفى، حيث غبار بابل يغلف حلوقنا، وذكرى أورشليم تحترق في صدورنا كجمرٍ لا ينطفيء. لم نعد نقدر على الصبر. لقد طال الانتظار، وطال السّكوت، وصرنا كغصنٍ يابس تحمله الرياح، لا جذور له ولا قرار.
أتذكر أيام مجدك، حين كنت تنزل، فيقشعرّ كل كائن، وتتزلزل التلال من هول قدسيتك. لم يسمع أذنٌ، ولم تر عينٌ، إلهاً غيرك يفعل العجائب لمن ينتظره. كنت تفرح بمن يصنع البر، ويسير في طريقك بلا زيغ.
لكننا الآن… صرنا كالثوب الخلق، نذوب من خطايانا كالورقة في مهبّ الريح. لم نعد نجرؤ على رفع رؤوسنا. خطايانا حملتها ريح الجنوب، وطمست معالم وجهك عنا. صرنا كالنجس، وكخرقة حيض كل برّ أعمالنا. ذبلنا كالورقة، وآثامنا كالريح حملتنا بعيداً.
ولا أحد يدعو باسمك، ولا من يستيقظ ليتمسك بك. لأنك حجبت وجهك عنا، وأذبتنا بإثم أيدينا.
والآن، يا رب، أنت أبونا. نحن الطين وأنت جابلنا، جميعنا عمل يديك. لا تسخط إلى الغاية، ولا تذكر الإثم إلى الأبد. هلّم، انظر، نحن شعبك.
مدينتك المقدسة صارت قفراً. أورشليم، بهجة كل الأرض، صارت خراباً. بيت قدسك، حيث مجدك سكن، قد أحرقه الغرباء بالنار وداسوا قدس الأقداس. تلك الأواني المقدسة، وهيكل الأرز العظيم، والمنبر الذي وقف عليه الأنبياء… لم يبقَ إلا الرماد وصدى البكاء.
فإلى متى يا رب؟ إلى متى تصمت؟ إلى متى تبقى يديك مكتوفتين؟ انظر من سمائك، من مسكن قدسك، حيث الملائكة تتراءف. أين غيرتك القديرة؟ أين مراحمك العميقة؟
نحن الطين بين يديك. كسرتنا الخطيئة، فتتنا رياح الضلال. لكن أنت الجابل. ألا يمكنك أن تعيد تشكيلنا؟ ألا يمكنك أن تنفخ في هذا التراب من روحك من جديد؟
لقد أحرقنا الخزي حتى العظم. غرباء يدوسون مقدساتنا، وأعداؤك يستهينون باسمك. يا حبيبنا القديم، يا من أخرجتنا من فرن الحديد في مصر، يا من مشيت بنا في قيعان البحار، أترانا نسينا طريقك إلى هذا الحدّ؟ أم أن غضبك قد استحكم حتى صار لا عودة عنه؟
لكن كلماتك تقول غير ذلك. كلماتك تقول إن رحمتك من ذاكرة الخطيئة. كلماتك تقول إنك إن رأيت الدم على العتبة تمرّ. دم الحمل… يا رب، أين الحمل؟ أين الذبيحة التي تكفّر عنّا؟ نحن ننتظر… ننتظر الفادي، ننتظر المسيّا، ننتظر من يفتح السموات حقاً ويهبط.
حتى ذلك اليوم، نبقى هنا، في غبار المنفى، نصرخ بلا صوت، وننتظر بلا أمل إلا رجاءً ضئيلاً يتوهج في صدورنا كشمعة في قبر مظلم. لأنك إن لم تكن أنت الرجاء، فليس لنا رجاء. وإن لم تكن أنت الطريق، فليس لنا طريق.
فاهبط، يا رب. اهبط ولو تذوب الجبال، ولو تزول السموات. اهبط فقط كي نعلم أنك لم تنسنا.




