الكتاب المقدس

سقوط نينوى العظيمة

كانت الشمس تلمع على مياه دجلة كأنها صفائح من النحاس المتوهج، وحولها كانت نينوى تنبض كقلب إمبراطوريةٍ لا تُقهر. في الأسواق، ارتفعت أصوات الباعة على وقع أقدام الجمال المحملة بالبضائع من أقاصي الأرض: ذهب أوفير، وعاج أفريقيا، وأقمشة مصر الناعمة كالضباب. وفي القصر الملكي، حيث جدران الحجر الجيري الأبيض تشهد على عظمة آشور، كان القادة يتناقشون في غرف مزينة بنقوش آلهتهم المنتصرة، وهم يشربون النبيذ من كؤوس فضية.

لكن في زوايا المدينة، حيث لا تصل عيون الحراس بسهولة، كان ثمة روائح أخرى. روائح القسوة والدم التي جفت تحت الشمس ولكنها علقت في ذاكرة الأزقة. كانت هذه المدينة الجميلة، “عشّاقة السحر” كما كان بعض الغرباء يهمسون، تبيع الأمم بالشراء وتُبعد العشائر بالعنف. في خزائنها كنوز لا تحصى، كل جوهرة فيها قصة دم، وكل سبيكة ذهب صرخة أمٍّ ثكلى من أراضي بعيدة.

وفي أحد تلك الأيام، بينما كان التجار يحسبون أرباحهم، سمع الناس من بعيد صوتاً غريباً. لم يكن قرع طبول الجيش، ولا هتافات الكهنة في المعابد. كان صوتاً كصوت ريح شرقية حاملةً غباراً أحمر. وبدأ الخوف يتسلل كالنمل الأسود في قلوب الذين تذكروا نبوءات قديمة. لكن أكثرهم أداروا ظهورهم، وغطوا آذانهم بثراءهم وغرورهم.

ثم جاء اليوم الذي تحول فيه الغبار الأحمر إلى ظلٍّ داكن في الأفق. ظلٌّ متحركٌ يحمل وميض الرماح. جيوشٌ اجتمعت من الشعوب التي سحقتها نينوى ذات يوم، يقودها قادةٌ أحرقهم العار والرغبة في الانتقام. كانت كأنها سحابة جراد لا تُرد، ولكنها سحابة من البشر والحقد. حاصرت الأسوار العظيمة، تلك الأسوار التي قيل إنها عريضة بما يكفي لمرور ثلاث عربات حربية جنباً إلى جنب.

وهنا بدأت اللعنة التي كان الحكماء يهمسون بها تظهر للعيان. تحولت القنوات المائية العظيمة التي كانت تفخر بها المدينة إلى مجاري راكدة، تنبعث منها رائحة الموت والفساد. جثث الذين سقطوا على الأسوار من المدافعين تركت تحت الشمس، ليس هناك من يدفنها، فتطايرت حولها أسراب الذباب الكثيف حتى حجبت النور. وفي القصور، حيث كانت النساء الجميلات يتعطرون بأغلى العطور، صار الهواء ثقيلاً بروائح الخوف والعرق البارد. أولئك اللواتي كنّ “سيدات المقاطعات”، يخطرن بثياب أرجوانية، وجدن أنفسهن يفررن كأي جارية مذعورة، تبحث عن ملجأ بين الأنقاض.

العدو اقتحم البوابات. لم تكن معركة، بل كانت مذبحة. لم يعد هناك تمييز بين النبيل والعبد. الدماء سالت في الشوارع حتى اختلطت بمياه الشرب. صوت الصراخ والأنين ارتفع إلى السماء، لكن سماء نينوى صمتت ذلك اليوم. حتى الآلهة في معابدها، التماثيل المصنوعة من الذهب والخشب، سقطت على وجوهها وكأنها تخفي عيونها عن المنظر. لقد صارت المدينة التي كانت “فرحة كل الأرض” مرتعاً للدود والذباب، جثة متعفنة تحت الشمس.

وبينما كان النهّابون يجرون حاملين ما استطاعت أيديهم حمله، بدأ سكان المناطق المجاورة يخرجون من مخابئهم. كانوا يشيرون بإصبع الاتهام إلى الأطلال المدخنة، وهم يهزون رؤوسهم. “ها هي!” كانوا يقولون، “المدينة التي عاشت بلا خوف، التي قالت في قلبها: ‘أنا وليس سواي!’ أين هي الآن؟ حتى مملكة ‘نو-عامون’ التي كانت على النيل، المحصنة بالمياه، لم تسلم من الدمار. فكيف تسلمت أنتِ؟”

وانتشر الخبر كالنار في الهشيم. كل من كان يخاف من اسم آشور، كل من ذاق مرارة سياط جيوشها، كل من رأى أولاده يُساقون إلى السبي، رفع عينيه نحو السماء وشكر. لقد سقطت نينوى، وسقطت إلى الأبد. لن تقوم لها قائمة بعد اليوم. كل من يمر على أطلالها سوف يصفر استهجاناً، ويهز يده علامة على الخراب. لأن المدينة التي بنيت على الدم، مصيرها أن تروى بدماء أهلها. والقلب الذي امتلأ غروراً، لا بد أن ينكسر كآنية فخارية تُرمى على الحجارة فلا يبقى منها إلا شظايا تذروها الرياح.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *