في أزقة كورنثوس الضيقة، حيث يمتزج عبق البخور بالرائحة المالحة للبحر، جلس أخيلاس في ظل دارسته الصغيرة. كان الهواء ثقيلاً بحرارة الصيف وهمس السفن القادمة إلى الميناء. أمامه على الطاولة الخشبية، مشطورة بفعل الزمن، كانت تنتشر أوراق الرق. إحداها، ممزقة قليلاً عند الحواف، حملت كلمات كانت تتردد في أذنه منذ أيام: كلمات الرسول بولس، ذلك الرجل الذي مرّ من هنا ذات يوم وزرع بذورًا ما زالت تنمو، بشقاء.
رفع أخيلاس عينيه نحو النافذة المطلة على السوق. كان يسمع من بعيد جدالاً حادًا بين بائعي الخزف، كل منهم يرفع صوته مدعيًا أن فخاره الأجود. ابتسم بمرارة. كم كانت تشبه نزاعاتهم ما يدور داخل جسد المؤمنين هنا في كورنثوس. تذكر يوم الأحد الماضي، في الاجتماع في بيت غايس الفسيح. كان الجو مشحونًا. وقف أبولّوس، ببلاغته الآسرة التي تخطف القلوب، متحدثًا عن الحكمة الإلهية بكلمات منمقة كالسجاد البابلي. وكان هناك كريسكوس، بحكمته الأرضية وتجارته الناجحة، يصر على أن الإيمان يجب أن يكون عمليًا، منظّمًا، كسفينة تجارية. أما مجموعة الخدم، فكانت تهمس باسم كيفا، بطرس، رمز السلطة والتقليد.
كان أخيلاس يشعر بثقل في صدره. لقد أحبوا المسيح، هذا ما كان يؤمن به. ولكنهم بدأوا ينسون لصالح من هم مؤمنون. سمع أحدهم يقول: “أنا أتبع أبولّوس، فمن يعلّم مثله؟” وسمع آخر يرد: “ولكن بولس هو الذي زرع هنا، فله الحق في قيادتنا.” تحولت النعمة إلى نادٍ، والرسالة إلى شعار.
عاد بنظره إلى الرسالة. كلمات بولس، التي وصلت مع زائر من أفسس، كانت كالماء البارد على روح متعطشة. “أُناشِدكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْي وَاحِد.”
تلك الليلة، بينما كانت مصابيح الزيت تلقي بظلال متهادية على الجدران، دعا أخيلاس عددًا من الإخوة. لم يكن الاجتماع رسميًا، بل جلسوا على الحصير، يتشاركون خبزًا وزيتونًا. بدأ يتحدث، ليس كمعلم، بل كخادم متألم. “أتذكرون”، قال وصوته خافت، “عندما آمن ستيفاناس الفقير، الذي لا يملك سوى ثوبه البالي؟ لم نسأله إن كان يتبع خطاب أبولّوس أم منطق بولس. احتضناه ببساطة لأنه أخ في المسيح.”
ساد صمت، لم ينقشعه سوى صوت صرصار في الزاوية. ثم تحدثت بريسكيلا، زوجته، بنعمة وحكمة. “قرأت الرسالة مرة أخرى. يقول الرسول شيئًا يقطع القلب: ‘أَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ جَهْلاً؟’ نحن نتنازع على الحكمة البشرية، على من هو الأبلغ أو الأفهم أو الأقدر. وننسى أن الله اختار ضعف العالم ليخزي الأقوياء.”
أخذ كريسكوس يفرك يديه، عادة له عندما يكون متأثرًا. “إنه صحيح. في السوق، أفتخر بذكائي في التجارة. ولكن هنا، في جسد المسيح، ماذا يفيد ذكائي إن لم يكن محروقًا بنار المحبة؟”
تداخلت الأصوات بعدها، لكن بنبرة مختلفة، نبرة اعتراف وتوبة أكثر منها جدال وانتصار. تحدثوا عن الصليب، ذلك الرمز المخزي الذي حوله الله إلى قوة. كيف أن رسالة الصليب، بالنسبة للساقطين، هي جهالة. ولكن بالنسبة لهم، للمخلَّصين، هي قوة الله. لقد جعلهم يدركون أن انتماءهم لأبولّوس أو بولس أو بطرس هو في الحقيقة هروب من الانتماء الوحيد الذي يضعهم جميعًا على قدم المساواة عند قدمي الصليب: الانتماء للمسيح، المصلوب.
قبل أن يتفرقوا، قرأوا معًا القول الأخير: “وَمَنْ يَفْتَخِرْ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ.” خرجوا والهواء الليلي قد أخذ في البرودة. لم تحل كل الخلافات بين عشية وضحاها، ولكن شيئًا ما انتعش. كأن نسمة من البحر نفذت إلى أزقة المدينة المغلقة.
في الأيام التالية، لاحظ أخيلاس تغيرًا طفيفًا. في اجتماع يوم الأحد، عندما بدأ النقاش يسخن حول طريقة التعميد، توقف شاب اسمه لوكيوس وقال: “إخوتي، قبل أن نختلف، لنتذكر من نعتمد باسمه.” ساد هدوء ثم انتقلوا إلى أمر آخر. لم تكن الوحدة الكاملة، ولكن روح الشقاق كانت تتراجع.
جلس أخيلاس مرة أخرى في دراسته. كان قد شرع في كتابة رد، ليس ليجادل، بل ليشكر. كتب عن حياتهم اليومية في كورنثوس، عن الإخوة الضعفاء في العالم الذين اختارهم الله، عن الخزافين والبحارة والعبيد في كنيستهم الذين كانوا، في عيني الله، أغنى من حكام المدينة. كتب بأنهم بدأوا يفهمون: أن الحكمة الحقيقية ليست في بلاغة الإنسان، بل في صمت القلب الذي يستمع إلى جهالة الصليب، ويجد فيها، أخيرًا، النور الذي يبدد كل ظلام، حتى ظلام القلوب المتنازعة في مدينة غارقة في أضوائها وظلامها الخاص.




