كان الضّوء الأخير للنهار يتسلّل عبر النوافذ الضيّقة لبيت المجمع، يُذَرّبُ ذرات الغبار التي تحرّكت بهدوء في الهواء الثقيل. جلس حنانيّا على إحدى الحصير المُتهالكة، ظهره منحنٍ تحت ثقلٍ لم يكن من الحجارة التي حملها طوال اليوم في بناء سور المدينة، بل من سطور الناموس التي تَثَقَّلتْ في صدره كألواح من رصاص. كانت أصابعه تتّبع الكلمات على درج المخطوطة المُتهالكة، وصوته يُرتِّلُ النصّ بصعوبة، كأنّ الحروف شوْك في حلقه: “وَلكِنْ قَبْلَمَا جَاءَ الإِيمَانُ، كُنَّا مُحْرَسِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ…”
توقّف. رفَع عينيه نحو السقف المُظلم حيث نسجت العناكب خيوطها المُعقَّدة. تذكّر طفولته هنا، في هذه الغرفة عينها، حيث كان والده يلقّنه الفروض والفرائض، صوتُه حادٌّ وجادّ، والعصا بجانبه تذكّرٌ صارخٌ للعواقب. كان الناموس حارساً قاسياً، سجّاناً منضبطاً يَرقُبُ كلَّ نفسةٍ وكلَّ فكرة. وكان حنانيّا الطّفل الصّغير يشعر بأنّه يتنفّس تحت مراقبة عيون لا ترحم.
خرج من بيت المجمع متثاقلاً. كانت شوارع أنطاكية مزدحمةً بأصواتٍ غريبة ووجوهٍ متنوّعة: يونانيون يتجادلون في الفلسفة، رومان يمرّون بخطواتٍ عسكرية مُتأنّقة، تجّار سوريون يصرخون بعروضهم. وفي زاوية قرب البوابة الشرقية، كان هناك تجمّع صغير. وقف رجل، ليس بملابس الكتبة ولا الفريسيين، بل بثوب بسيط مُتّسخ من تراب الطريق. كان يتكلّم عن “ابن الله” و”ملء الزمان”. تحدّث بكلمات غريبة تملؤها حرارة غريبة أيضاً. قال: “لَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ.”
لم يفهم حنانيّا كلَّ شيء في ذلك اليوم. لكن كلمة “تَبَنِّي” علقت في ذهنه كقطعة من نور في غرفة مُغلقة. عاد إلى بيته، إلى طقوسه اليومية: الصلوات، البركات، التطهيرات. كلّ فعل كان محسوباً، كلّ حركة مُراقَبة. كان يشعر كعبدٍ في بيتٍ عظيم، يعرف القوانين عن ظهر قلب، ويخشى العقاب، لكنه لا يعرف وجه سيّده حقّ المعرفة. كان السيّد صامتاً، بعيداً، مختبئاً خلف ستارٍ من الأوامر والنواهي.
وفي إحدى الليالي، بينما كان يحاول النوم، تذكّر وجه الرّجل عند البوابة، وتذكّر صوت صديقه يوناثان، الذي اتبع الطريق الجديد. قال له يوناثان ذات مرّة، وعيناه تلمعان بشيء يشبه الطفولة المُستعادة: “لَسْتَ عَبْداً بَعْدُ، بَلِ ابْنٌ. وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا، فَوَارِثٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ.” كانت الكلمات كسراً للقيد الذي ظلّ يشعر به حول قلبه. لم تكن حرية من الفروض، بل تغييرٌ جذريٌ في النَّسَب. من عبد خائف إلى ابن مُرحَّب به.
مرّت أسابيع. وذات صباح، بينما كان حنانيّا يغسل يديه قبل الصلاة، كما يفعل كلّ صباح، نظر إلى الماء المُتدفّق على جلد كفّيه المُتشقّقين. وفجأة، لم يرَ طقساً إجبارياً، بل تذكّر كلمات أخرى سمعها: “لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ.” انحنى، ولكن ليس انحناءة الخوف هذه المرّة، بل انحناءة الامتنان. صلّى، ولكن ليس صلاة الطلب المُتكلّف، بل حديث الابن الذي يعود إلى حضن أبيه بعد غيبة طويلة.
خرج إلى السوق. كان الهواء يحمل رائحة الخبز الطازج والتوابل. سمع ضجيج الحياة من حوله: صراخ الأطفال، نَقْدَات النّقود، حوارات الناس. نظر حوله. رأى العبيد يعملون بثقل، ورأى الأحرار يتحركون باختلاف. وأدرك في أعماقه أن الفرق لم يعد في الوضع الظاهري، بل في القلب. هو لم يُعتق من عمله اليومي، بل اعتُق من سجن الخوف. لم يعد الناموس سجّاناً، بل أصبح مُعلّماً قادَه إلى المسيح، إلى البنوّة.
عند المغيب، لم يذهب إلى بيت المجمع. مشى إلى ضفة النهر الهادئة. جلس على حجر أملس، ونظر إلى النجوم التي بدأت تتلألأ في السماء الواسعة. أغمض عينيه. لم يعد يشعر بثقل الألواح الرصاصية. بل شعر بشيء جديد، بسيط وعميق: صرخة في داخله تقول “يا أبي”. كانت صرخة طفولية، حميمة، تخرق السماوات. عرف في تلك اللحظة، بعمقٍ يفوق كلّ فهمٍ عقلي، معنى أن تكون الوريث، ليس عن طريق الجهد، بل عن طريق النعمة. وأن الحرية الحقيقية ليست في هجر الوصايا، بل في أن تُحفظ هذه الوصايا لا من خوف العبد، بل من محبّة الابن الذي عرف أخيراً، وبكلّ جوارحه، وجه أبيه.




