كان الجوّ بارداً ذلك المساء، وكانت نار الموقد تتقاذف ظلالاً طويلة على جدران الكوخ الطيني. جلستُ إلى جانب الشيخ إيليا، وكان صوته كحفيف أوراق الزيتون القديمة حين بدأ يتحدث، لا عن ذكريات الماضي، بل عن مستقبل لم يأتِ بعد.
“يا بُنيّ،” قال، بينما كانت عيناه الرماديتان تشعان بنورٍ داخليّ عميق، “يُخبرنا الكاتب القديس أن أياماً ستأتي فيها مستهزئون، يسيرون وراء شهواتهم الخاصة، ويقولون: ‘أين هو موعد مجيئه؟’.” سكت قليلاً، ونظر إلى اللهب المتأرجح. “تراهم الآن، يعيشون كما لو أن الزمن دائريّ لا خطّيّ، وكأن العدالة الإلهية خرافة ألّفها الخائفون.”
أخذ نفساً عميقاً، وعبََرَتْ وجنتَيه تجاعيدُ كخريطة لطرقٍ طويلة سلكها. “ولكنهم يغفلون عن أمرٍ جوهريّ، غافلون عن قصد. فالإله الواحد، خالق الزمن نفسه، لا يحسب الساعات والأعوام كما نحسبها. يومٌ عنده كألف سنة، وألف سنةٍ كيومٍ واحد. هذا ليس حِكْمةً مجرّدة، بل هو تذكير بأن صبره أوسع من بحار الدنيا كلها. إنه لا يتأخر عن وعده، كما يظنّ بعضهم، بل يتحمّل أناةً طويلة، لأن قلبه لا يريد أن يهلك أحد، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة.”
خرجنا من الكوِن إلى الفضاء الواسع، حيث كانت السماء مرصعة بنجوم لا تُحصى. أشار بيده المتيبّسة إلى الأفق. “تذكّر يوم الطوفان، حين فاضَتِ المياه على عالمٍ كان يسخر من نوحٍ وهو يبني السفينة. فكما جاءت المياه فجأةً واجتاحت كل شيء، سيأتي اليوم الموعود، لكن ليس بالماء هذه المرة. فالسماوات والأرض الحاليتان، مُدَّخَرَتان للنار، محفوظتان ليوم الدين والدينونة.”
كانت كلماته ثقيلة كحجارة المذبح، تتردد في صدرك قبل أذنيك. “ولكن لا تخف. لأن هذا النار ليست فناءً بلا معنى، بل هي نارُ تَطْهيرٍ وتَجْديد. سيذوب كلُّ ما هو زائفٌ ومؤقتٌ كالشمع، ليظهر ما هو أبديّ. إنه يعدنا بسماء جديدة وأرض جديدة، يسكن فيها البرّ وحده.”
التفت إليّ، وفي عينيه لمعةٌ من رجاءٍ عجيب. “فماذا ينبغي أن نكون نحن، في انتظارنا هذا؟ ينبغي أن نكون أناساً مقدسين في كل سيرة، بلا دنس، بلا لوم. لا ننام كما ينام الآخرون، بل نَسْهَرُ ونكون في حالة استعداد. ننظر ونتطلّع، لا بخوفٍ بل بشوق، كمَنْ ينتظر فجراً يعرف أنه سيُشرق بعد ليلٍ طويل.”
عادت بنا الخطى إلى الكوخ. وقف الشيخ على عتبة الباب، وكأنه يرفض أن يُطيل السهر. “هذه السماوات وهذا الأرض، بما فيهما من زخارف وعظائم، ستزول. ولكن كلمة الربّ ووعوده، هي وحدها التي تبقى إلى الأبد. لذلك، اجتهدوا أيها الأحباء، لكي توجدوا عنده بلا عيب ولا دنس في سلام.”
دخل وتركني في الليل الهادئ. نظرت إلى النجوم، تلك الشهبات البعيدة، وفكرت في نارٍ تأتي من داخلها ذات يوم، نارٌ لا تحرق بل تُنقّي. وشعرت كأن الأرض تحت قدميَّ ليست سوى رقعة مؤقتة، ستنحلّ يوماً لتكشف عن جمالٍ مخفيّ، عن أرضٍ لا يسمع فيها نوحٌ صراخاً، ولا يرى فيها إبراهيم سوى وجه الربّ. وهمست في الظلام: “تعالَ أيها الربُّ يسوع.” وكانت النجوم كأنها تترقب هي أيضاً.




