الكتاب المقدس

عجل الذهب وانتظار موسى

فوق الجبل، حيث يلامس الضباب صدر السماء، وقف موسى. أيامٌ أربعون، والأربعون في البرية لا تشبه أيام البشر. كان يكلم الرب، وكان الرب يجيبه، والصوت كرعدٍ هادرٍ يملأ كيانه. في الأسفل، في سفح الجبل حيث امتدت بقعة الرمال كبساطٍ من الرماد، تجمع الشعب.

الانتظار ثقيل. والشمس لا ترحم. بدأ القلق يتسلل كالأفعى بين الخيام. “أين موسى؟ أذهب وصعد، فلعله تاه في الغمام، أو ابتلعه الجبل”. كلمات تتهامس بها الشفاه الجافة، ثم تعلو، ثم تصير هتافًا. تجمعوا حول هرون، الأخ الأكبر، صوته عذب ولكن عينيه تحملان وهج الحيرة.

“اصنع لنا آلهة تسير أمامنا”، طلبوا، والأصوات تتصاعد كموجٍ حارق. “فذلك الرجل موسى الذي أصعدنا من أرض مصر، لا نعلم ماذا أصابه”. نظر هرون إلى الوجوه المتلهفة، إلى العيون التي تبحث عن يقينٍ ملموس، إلهٍ يمكن رؤيته ولمسه، بعد أن غاب ذلك النبي الغامض في الأعالي. خاف. خاف من الفوضى، من التمرد، من أن يتحول القلق إلى سكينٍ في خاصرته. “انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم”، قال، وصوته يكاد يذوب في الهواء الساخن.

فجاءوا بها، أكوامًا من الحلي، خواتمً وأساورً، تلمع تحت الشمس كدموعٍ من نار. أخذها هرون وصنع لها قالبًا، ثم أذاب الذهب في النار، وصنع منه عجلاً مسبوكًا. كان الشعب ينظر، والذهول يملأ عيونهم. ثم صاح أحدهم: “هذا إلهك يا إسرائيل الذي أصعدك من أرض مصر!”. انفجرت الفرحة كسيلٍ جارف. كان الشعب بحاجة إلى احتفال، إلى طقس، إلى شيء يملأ فراغ الغياب. فأقاموا مذبحًا أمام العجل الذهبي، وأعلنوا في الغد عيدًا للرب. باكرًا في الصباح التالي، قدموا محرقات، وقدموا ذبائح سلامة. ثم جلسوا يأكلون ويشربون، وقاموا للعب.

الرقص كان جامحًا، والصياح مختلطًا بأصوات الصنج والطبول. كان العجل الذهبي واقفًا في الوسط، صامتًا، باردًا، عيناه الحفرتان تريان كل شيء ولا تبصران. لقد نسوا. نسوا صوت الرب في الرعد على جبل سيناء، نسوا العهد، نسوا الكلمات المنقوشة على اللوحين الحجريين هناك، في الأعالي.

على الجبل، كان الحديث بين الرب وموسى قد انتهى. “اذهب انزل”، قال الرب، وصوته يحمل غضبًا كالريح العاتية قبل العاصفة. “لقد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر. زاغوا سريعًا عن الطريق الذي أوصيتهم به. صنعوا لهم عجلاً مسبوكًا، وسجدوا له”. كان الغضب الإلهي يهدد بالاجتياح، بالاستئصال. “دعني أفنيهم”، كلمات ثقيلة كالجبال. لكن موسى تعلق بالرحمة. توسل، حاجج، تذكر وعودًا أقدم. “لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك؟” كانت صلاته خيطًا رفيعًا يربط السماء بالأرض.

فندم الرب عن الشر الذي قال إنه سيفعله. وحمل موسى اللوحين، لوحي الشهادة، مكتوبين بإصبع الله، وانحدر من الجبل. كان يشعر بثقل الكلمات المنقوشة، وبثقل أشد في قلبه. اقترب من المحلة، فسمع أصوات الأفراح. لم تكن أصوات عبادة، بل أصوات فسق. رأى العجل والرقص، فحمى غضبه. ورمى اللوحين من يديه فتكسرا في أسفل الجبل. كانت الكسر ليست للحجر فقط، بل للعهد، للحلم.

أمسك بالعجل الذهبي الذي صنعوه، وأحرقه بالنار حتى صار ذهبًا سائلاً، ثم طحنه حتى صار دقيقًا ناعمًا، وذرَّه على وجه الماء، وسقى بني إسرائيل. شرابٌ مرٌ، كالخزي نفسه. ووقف في باب المحلة وقال: “من للرب فإليَّ”. فاجتمع إليه كل بني لاوي. وأمرهم أن يجتازوا في وسط المحلة من باب إلى باب، ويقتلوا كل من وقف في طريق الرب، حتى ولو كان أخًا أو صديقًا. وكان يومٌ عصيب، سقط فيه من الشعب نحو ثلاثة آلاف رجل.

في اليوم التالي، كان الصمت قد خيم، ثقيلاً كالحداد. صعد موسى مرة أخرى إلى الرب، وكلمه كما يكلم الرجل صاحبه. اعترف بخطية الشعب العظيمة. وطلب، إن كان لا بد من العقاب، أن يمحو اسمه من سفر الحياة. كان مستعدًا للهلاك معهم. لكن الرب أجاب بأن من أخطأ إليه سيمحوه من سِفره. وأرسل ضربةً على الشعب لمعاقبتهم على ما صنعوا بالعجل الذي صنعه هرون.

ونزل موسى إلى الشعب، ووجهه يشع بنور غريب، نور من كلام الرب، حتى أنهم خافوا الاقتراب منه. فكان يضع برقعًا على وجهه عندما يكلمهم، ويزيعه عندما يدخل ليخاطب الرب. وكانت تلك علامة، تذكارًا دائمًا للبعد والقرب، للنعمة والدينونة، ولله الذي يختبئ في الغمام، وشعبٍ يعيد صناعة آلهته من ذهبهم، كلما طال انتظارهم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *