الكتاب المقدس

وداع يشوع الأخير

كان الجوّ بارداً ذلك الصباح في شيلوه، وضباب خفيف يتصاعد من بين التلال، كأن الأرض تتنفس بعد عناء طويل. جلس يشوع بن نون على كرسي من خشب الزيتون تحت ظلّة كبيرة، وقد أثقلته السنون، لكن عينيه ما زالتا تشعان بوهج خفي، كجمرة تحت الرماد. اجتمع حوله شيوخ أسباط إسرائيل وقادتهم، رجالٌ غبرت وجوههم من شمس المعارك، وفي أيديهم خشونات السيف والحرث. كان الجمع يصمتون ثم يهمسون، يعرفون أن هذا الاجتماع ليس كسابقاته. فهذا الرجل العجوز، الذي قادهم عبر الأردن ووزع الأرض، كان يودعهم.

رفع يشوع وجهه نحوهم، وصوته جاء أجشّاً، يحمل ثقلاً كحجر الطاحونة: “اسمعوا لي، أنتم جميعاً. لقد شخت وشاب رأسي، وقد رأيتم بعيونكم كل ما صنع الرب إلهنا لكل هذه الأمم من أجلنا. هو ذا الرب إلهكم يحارب عنكم.” توقف قليلاً، وكأنه يستعيد أنفاسه أو يستحضر ذكريات معارك طال ليلها: أريحا، وآي، تلك الجبال الجنوبية والسهول الشمالية. كان يذكر كل انتصار ليس كمفخرة لهم، بل كتذكير بنائب غريب: أن السيف لم يكن بيدهم وحدهم.

ثم أخذ يشوع يعدد أمامهم الشعوب المتبقية: الفلسطينيون على الساحل، والكنعانيون في الشمال، أولئك الذين لم يطردوا بعد. كانت كلماته لا تحمل توبيخاً، بل تحذيراً حاراً كالنبيذ القديم: “فتشددوا لتحفظوا وتعملوا جميع ما هو مكتوب في سفر شريعة موسى، فلا تحيدوا عنها يميناً ولا شمالاً. ولا تختلطوا بهذه الأمم الباقية معكم، ولا تذكروا آلهتهم، ولا تحلفوا بها، ولا تعبدوها، ولا تسجدوا لها.” ونظر إليهم نظرة فيها حزن الوالد: “بل بالرب إلهكم تتمسكون، كما فعلتم إلى هذا اليوم.”

وسكت قليلاً، والجميع يسمعون صوت خرير الماء البعيد وصرير أغصان الشجر. ثم عاد صوته، وقد اشتد كهدير النهر في وقت الفيضان: “اعلموا يقيناً أن الرب إلهكم لا يعود يطرد هذه الأمم من أمامكم، فتصير لكم فخاً وشَرَكاً، وُمِشْوَكَةً في جُنوبكم، وَمنْخَساً في أعينكم، حتى تبيدوا عن هذه الأرض الجيدة التي أعطاكم إياها الرب إلهكم.”

كان يشوع يستخدم صورة بعد صورة، كمن ينقش على الحجر خشية النسيان. يريد أن يثبت في قلوبهم أن الخطر ليس جيوشاً تجيء بمركبات حديد، بل هو التهاون، والاختلاط، والنسيان. نسيان أن الأرض عطية، وليست ميراثاً طبيعياً. نسيان أن العهد شرطٌ فيه حياة.

“وها أنا ذاهب اليوم في طريق كل الأرض. فاعلموا بكل قلوبكم ونفوسكم أنه لم يسقط كلمة واحدة من جميع الكلام الصالح الذي كلمكم به الرب إلهكم. كلها قد حلت لكم. كلمة واحدة لم تسقط.” هنا تألق وجه العجوز كأنه يرى شيئاً بعيداً. كان يتكلم عن وعود الله وكأنها حجارة بناء، كل واحدة في مكانها، قوية لا تتحرك. فالله لا يكذب، ولا ينسى.

ثم ختم كلامه بتحذير مهيب، كصوت البوق قبل المعركة: “فإن تركتم الرب وعبدتم آلهة غريبة، فحينئذ يحّول ويُسْيء إليكم، ويهلككم، بعدما أحسن إليكم.” كانت الكلمات ثقيلة تهوي في الصمت. هو لا يهددهم، بل يخبرهم عن ناموس لا يتغير: الوفاء يولد حياة، والخيانة تزرع دماراً. كما حدث للأمم التي طردت من أمامهم.

وقف الشيوخ والقادة وهم صامتون، تاركين الظلّة. بعضهم نظر إلى الأرض الجيدة من حولهم: كروم وعيون وبيوت أمن. وبعضهم نظر إلى التلال البعيدة حيث لا يزال دخان قرابين غريبة يصعد. كان يشوع قد تركهم مع اختيار، ومع ذاكرة، ومع تحذير. تركهم كما يترك الأب البيت لأبنائه، وهو يعرف أن بينهم من سيحفظ الباب، ومن سيتركه مفتوحاً للذئاب.

عاد كل إلى دياره ذلك المساء، وقد أخذت الشمس تنحدر خلف جبال أفرايم، تلمع آخر أشعتها على حجارة المذبح الذي في شيلوه. وشيخ الله العجوز، جلس في خيمته، يستمع إلى أصوات الأطفال تلعب خارجاً، أصوات جيل جديد لم يعرف معنى عبور الأردن. صلى في قلبه أن تبقى الذاكرة حية، وأن تبقى القلوب متمسكة، لا بالارض وحدها، بل بمانح الأرض. وكانت تلك هي وصيته الأخيرة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *