فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الرَّبِيعِ، حِينَ كَانَ نَدَى الصَّبَاحِ يُزَهِّرُ عَلَى صُخُورِ جَبَلِ مُورِيَّا، وَقَفَ سُلَيْمَانُ الْمَلِكُ وَقْتَ الفَجْرِ. لَمْ يَكُنِ الْجَبَلُ مُجَرَّدَ أَرْضٍ، بَلْ كَانَ ذِكْرَى تَتَنَفَّسُ بَيْنَ الْحَصَى: هَاهُنَا تَرَاءَى لأَبِيهِ دَاوُدَ الْمَلَاكُ، وَهَا هِيَ بَيْدَرُ أَرْنَانَ الْيَبُوسِيِّ، حَيْثُ أَقَامَ دَاوُدُ مَذْبَحًا لِيَكَفَّ غَضَبَ الرَّبِّ. الْآنَ، سَيَحْمِلُ الْجَبَلُ بَيْتَ الرَّبِّ.
رَفَعَ سُلَيْمَانُ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ الرَّمَادِيَّةِ قَبْلَ الشُّرُوقِ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِكَفِّهِ. اِنْهَالَ الْعُمَّالُ، كَالنَّمْلِ الْمُنْتَظِمِ، مِنْ حَوْلِهِ. لَمْ يَكُنْ صَخَبٌ كَبِيرٌ، بَلْ هُدُوءٌ مُشْبَعٌ بِهِمْسَاتِ الْأَمْرِ وَصَوْتِ احْتِكَاكِ الْأَدَوَاتِ. بَدَأَ الْقِطَاعُونَ يَنْحِتُونَ أَحْجَارًا بَيْضَاءَ ضَخْمَةً، جُلِبَتْ مِنْ مَقَالِعَ بَعِيدَةٍ، كَانَتْ قَدْ هُيِّئَتْ بِمَهَارَةٍ حَتَّى لَمْ يَكُنْ يَسْمَعُ عِنْدَ رَصِّهَا صَوْتُ مِطْرَقَةٍ أَوْ مِسْمَارٍ مِنْ حَدِيدٍ. كُلُّ حَجَرٍ كَانَ حِكَايَةً مِنْ صَمْتِ الأَجْيَالِ فِي جَوْفِ الأَرْضِ، وَالآنَ سَتَكُونُ جُدْرَانَ الْقُدْسِ.
شَمِلَ الْمَكَانُ رَائِحَةَ نَشَارَةِ أَرْزِ لُبْنَانَ، الَّذِي كَانَ الْفَنَّانُونَ قَدْ بَدَأُوا فِي تَهْيِئَتِهِ. كَانَ الْخَشَبُ عَبِيرًا، كَأَنَّهُ يَحْفَظُ فِي عُرُوقِهِ نَسَمَاتِ جِبَالِ لُبْنَانَ الْبَعِيدَةِ وَصَوْتَ الرِّيحِ بَيْنَ أَغْصَانِهِ. كَانَ الْعُمَّالُ يَقِيسُونَ وَيُرَسِّمُونَ بِخُيُوطٍ مِنْ كَتَّانٍ، وَأَصْوَاتُهُمْ تَخْتَلِطُ بِزَقْزَقَةِ الْعَصَافِيرِ الْمُبَكِّرَةِ.
أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِتَوَسِيعِ الْمَسَاحَةِ، عَلَى قِيَاسِ مَا رَأَى أَبُوهُ بِالرُّوحِ. وَكُلَّمَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ، كَانَ يُصَعِّدُ نَظَرَهُ كَثِيرًا، لِكَيْ يَتَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتِمُّ بِحَسَبِ الْقِيَاسِ الَّذِي أُعْطِيَ لَهُ. وَكَانَ فِي قَلْبِهِ خَوْفٌ مُقَدَّسٌ: لَيْسَ خَوْفًا مِنْ فَشَلٍ أَوْ نَقْصٍ، بَلْ هَيْبَةٌ مِنْ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتًا لِلسَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ.
وَفِي وَسَطِ الْمَكَانِ، حَيْثُ سَيَكُونُ قُدْسُ الْأَقْدَاسِ، وَقَفَ الْكَتَبَةُ وَالْحُكَمَاءُ وَهُمْ يُمْلُونَ عَلَى النَّحَّاتِينَ أَبْعَادَ الْكَرُوبِيمِ. لَمْ تَكُنْ تِلْكَ مَجْرَدَ تِمْثَالَاتٍ، بَلْ حُرَّاسًا مِنْ نُورٍ وَرُعْبٍ، سَتَبْسُطُ أَجْنِحَتَهَا عَلَى تَابُوتِ الْعَهْدِ الَّذِي سَيُوضَعُ هُنَاكَ يَوْمًا. كَانَتْ أَظْفَارُ الْكَرُوبِيمِ تَخْدِشُ الْخَشَبَ بِلَطَافَةٍ، وَرِيشُ أَجْنِحَتِهَا يَتَكَوَّنُ تَدْرِيجِيًّا، كُلُّ رِيشَةٍ عَمَلٌ يَوْمٍ كَامِلٍ. كَانَ الْفَنَّانُونَ يَعْمَلُونَ وَعُيُونُهُمْ مُحَدَّقَةٌ فِي فَرَاغِ الْهَوَاءِ أَمَامَهُمْ، كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ شَكْلَ الْمَلَائِكَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْحِتُوهَا.
أَمَّا الْهَيْكَلُ مِنْ دَاخِلٍ، فَكَانَ لَهُ بَهَاءٌ يُذْهِلُ. لَمْ يَكُنِ الذَّهَبُ الَّذِي يُطْلَى بِهِ الْجَدْرَانُ وَالأَرْضِيَّةُ مَعْدِنًا بَارِدًا، بَلْ كَانَ يَأْخُذُ حَيَاتَهُ مِنَ الضَّوْءِ الْخَفِيِّ الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ النَّوَافِذِ الْمُصْمَتَّةِ. كَانَ الْعُمَّالُ يَسْحَبُونَ صَفَائِحَ الذَّهَبِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، وَيُثَبِّتُونَهَا بِمَسَامِيرَ مِنْ نُحَاسٍ، ثُمَّ يَصْقُلُونَهَا حَتَّى تَصِيرَ كَمِرْآةٍ تُعْكِسُ كُلَّ وَمْضَةِ نُورٍ. وَفِي أَرْجَاءِ الْبَيْتِ، عَلَى الْجُدْرَانِ، نُقِشَتْ أَشْكَالُ نَخِيلٍ وَأُكِيلِيلَاتٍ مِنْ أَزْهَارٍ، كَأَنَّ الْبَهَاءَ الطَّبِيعِيَّ لِجَنَّةِ عَدْنَ قَدْ دَخَلَ إِلَى حَجْرَةِ الْمَلِكِ الْأَزَلِيِّ.
وَظَلَّ الْعَمَلُ يَسِيرُ شَهْرًا تِلْوَ شَهْرٍ. فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، كَانَ سُلَيْمَانُ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّهِ الْمُنْخَفِضِ عَلَى مُرْتَفَعٍ مُقَابِلٍ، يَتَأَمَّلُ فِي صَمْتٍ. رَائِحَةُ الْأَرْزِ وَالذَّهَبِ وَالْحَجَرِ الْجَدِيدِ تَخْتَلِطُ فِي هَوَاءِ الْجَبَلِ. كَانَ يَسْمَعُ صَوْتَ مُهَنْدِسٍ شَيْخٍ يُهَمْهِمُ بِآيَةٍ مِنَ الْمَزَامِيرِ بَيْنَمَا يَقِيسُ زَاوِيَةً بِحَبْلٍ: “إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلًا يَتْعَبُ الْبُنَاةُ”. كَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَتَدَحْرَجُ بَيْنَ الْحُجَرِ، فَتَمْلَأُ الْمَكَانَ بَشَرًا وَطُمَأْنِينَةً.
وَلَمَّا أَشْرَفَ الْبِنَاءُ عَلَى النِّهَايَةِ، رُفِعَتِ الأَعْمِدَةُ أَمَامَ الْبَابِ الرَّئِيسِيِّ: يَاكِينَ وَبَعَزَ. لَمْ تَكُنْ أَعْمِدَةَ حَجَرِيَّةً عَادِيَّةً، بَلْ كَانَتْ كَشَجَرَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ نُحَاسٍ مُطْلٍ بِذَهَبٍ. عَلَى رَأْسِ كُلِّ عَمُودٍ تَاجٌ مُزَيَّنٌ بِرُمَّانَاتٍ مِنْ سَبْعِ مِئَةٍ، مُرَتَّبَةٍ فِي صُفُوفٍ. كَانَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَهُمْ يَصْعَدُونَ الْجَبَلَ، فَيَشْعُرُونَ بِالْعَظَمَةِ وَالْجَمَالِ اللَّذَيْنِ يَسْبِقَانِ دُخُولَ دَارِ الرَّبِّ. كَانَتِ الْأَعْمِدَةُ تَتَحَدَّثُ دُونَ كَلَامٍ: هَذَا هُوَ مَدْخَلُ مَمْلَكَةِ الْقُدُوسِ، مَكَانُ الْهَيْبَةِ وَالرَّجَاءِ.
وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي، حِينَ كَانَ الْقَمَرُ بَدْرًا، مَشَى سُلَيْمَانُ وَحْدَهُ فِي أَرْجَاءِ الْهَيْكَلِ الْخَالِيَةِ. لَمْ يَكُنْ قَدْ وُضِعَ التَّابُوتُ بَعْدُ، وَلَكِنَّ حَضْرَةَ الرَّبِّ كَانَتْ مَلْمُوسَةً فِي السَّكِينَةِ الْمُطْبِقَةِ. مَسَّ بِكَفِّهِ جِدَارَ الْقُدْسِ الْأَقْدَاسِ، حَيْثُ سَيَسْكُنُ غَطَاءُ التَّابُوتِ، وَحَيْثُ سَيَحِلُّ الرُّوحُ بَيْنَ الْكَرُوبِيمِ. شَعَرَ كَأَنَّ الْحَجَرَ دَفِئٌ تَحْتَ يَدِهِ، كَقَلْبٍ حَيٍّ.
تَنَهَّدَ تَنَهْدَةً طَوِيلَةً، اخْتَلَطَ فِيهَا التَّعَبُ بِالسُّرُورِ وَالْخَشِيَّةِ. كَانَ قَدْ بَنَى بَيْتَ الرَّبِّ بِحَسَبِ كُلِّ كَلِمَةٍ أُعْطِيَتْ لِأَبِيهِ دَاوُدَ. كُلُّ حَجَرٍ، كُلُّ قَطْعَةِ خَشَبٍ، كُلُّ رَقِيقَةِ ذَهَبٍ، كَانَتْ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا صَلَوَاتٍ كَثِيرَةٍ وَانْتِظَارًا أَزَلِيًّا. الْهَيْكَلُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ بِنَاءٍ، بَلْ كَانَ صَلَاةً صَامِتَةً رَفَعَهَا الْإِنْسَانُ بِأَيْدِيهِ الْأَرْضِيَّةِ نَحْوَ سَمَاءِ اللهِ.
وَعِنْدَمَا بَزَغَتْ أَوَّلُ خُطُوَاتِ الْفَجْرِ عَلَى جَبَلِ مُورِيَّا، خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْبَابِ. نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّائِمَةِ أَسْفَلَهُ، وَإِلَى السَّهْلِ الْمُتَدَحْرِجِ حَتَّى أُفُقِ الْبَحْرِ. هَذَا الْبَيْتُ سَيَكُونُ قَلْبَ الْمَمْلَكَةِ، مَكَانَ لِقَاءِ السَّمَاءِ بِالْأَرْضِ. وَفِي سُكُوتِ الصَّبَاحِ، سَمِعَ صَوْتَ رِيحٍ خَفِيفَةٍ تَعْبُرُ بَيْنَ أَعْمِدَةِ يَاكِينَ وَبَعَزَ، فَتَدَوِّي كَأَنَّهَا نَغَمَاتُ نَايٍ قَدِيمٍ، تُغَنِّي أُغْنِيَةَ الْأَبَدِيَّةِ عَلَى عَتَبَةِ بَيْتِ الرَّبِّ.




