الكتاب المقدس

صرخة في الظلام وضوء الأمل

كان الليل بارداً وكأنه رداء أسود مرصع بقطع متفرقة من البلور البارد. لم يكن البرد في الهواء فقط، بل كان ينبع من داخل عظامي. جلست في زاوية الغرفة، والصمت ثقيل كحجر الطحن. كانت الآلام التي أحملها لا تشبه آلام الجسد؛ كانت كائناً يعيش في صدري، يتنفس بأنفاسي، ويُثقِل كل نبضة قلب. وصلت إلى حافة اليأس، حتى كدت أسمع همساً خفيفاً يدعوني إلى السقوط في الفراغ.

وفي تلك اللحظة، التي انكسر فيها كل شيء، لم أجد ما أقول سوى: “يارب، خلصني”. لم تكن صلاة متقنة، ولا طلبة بلاغية. كانت زفرة مكسورة، حجراً ألقي في بئز الصمت العميق.

ثم حدثتْ أمور لا تستقيم لها لغة البشر بسهولة. لم تنشق السماوات، ولم تزلزل الأرض. ولكن، كالنسمة الأولى التي تسبق الفجر، بدأ يتسلل إلى روحي شيءٌ من دفء. تذكرت فجأة بيت طفولتي، وكنت جالساً مع أبي في حقل القمح وقت الحصاد. كان يقول لي: “انظر إلى هذه السنابل. تموت في الأرض لتُخرج حياة”. لم أفهم كلماته آنذاك، ولكن في تلك الليلة، في عتمة غرفتي، أضاءت في ذاكرتي كأنها فانوس.

بدأت أتذمر. لماذا يُسمح بالألم؟ لماذا يختفي الإله الرحيم عندما تعلو الصرخة؟ ولكن من أعماق الوجع، ارتفع نداء آخر، أكثر هدوءاً: “احفظ نفسي لأني لك”. لقد نسياني الناس، وشعرت بأن العالم قد ابتلعني، ولكن هناك ذِكرٌ واحدٌ بقي: أنا له. هذا الرب الذي أدعوه في الظلمة، هو ربي. هذا الإيمان، الممزق والمتعثر، كان هو الحبل الذي تمسكت به.

خرجت مع الفجر. كانت المدينة لا تزال نائمة. مشيت بلا اتجاه، حتى وجدت نفسي عند شاطئ النهر. كانت المياه تجري ببطء، حاملةً أوراق الخريف الصفراء. وقفت هناك، وأمام جريان الماء الأبدي، جاءت الكلمات إلى شفتاي كالتنهد: “ما أردُّه للربِّ من أجل جميع حسناته إليّ؟”

الحسنات. ليست الثروات، ولا النجاحات الباهرة. بل هي هذا النبض في عروقي، هذا النفس الذي لا يزال يصعد وينزل، هذه العينان اللتان تبصران جمال العالم القاسي الرائع. هو نعمة الوجود نفسه، حتى وهو وجود موجوع.

عاد بي الذهن إلى الماضي. مرةً، وأنا صغير، مرضت مرضاً شديداً. كانت أمي تجلس بجانب سريري الليالي الطوال، تمسح بيدها الناعمة على جبيني المحموم. كانت عيناها تحملان تعب العالم، ولكنها لم تترك يدي. أليس هذا هو ما فعله الرب؟ في مرضي الوجودي، في حُمّى روحي، لم يتركني. كان حاضرا في صمت المحب الذي لا يمل.

قررت في تلك اللحظة أن أفعل شيئاً بسيطاً، ولكنه صادق. رفعت كأس الحياة الذي في يدي. كأسٌ فيه مرارة الدموع، وحلاوة الذكريات الجميلة، وخمرة الألم المقدسة التي تُنضج القلب. رفعته نحو السماء الشاحبة التي بدأت تلمع بأولى خيوط الشمس. “كأس الخلاص أرفع، وباسم الرب أدعو”. الخلاص لم يكن إزالة الألم، بل كان تحويله. كان تحويل قلبي الحجري إلى قلب لحمي، يشعر، ويؤمن، ويتألم، ويشكر.

عدت إلى البيت، وكانت الشمس قد ارتفعت. دخلت الباب، وكانت زوجتي تعد الفطور. نظرت إليّ، ورأت شيئاً جديداً في عينيّ. سألتني: “هل نمت جيداً؟” ابتسمت، وكانت الابتسمة حقيقية للمرة الأولى منذ أشهر. “نعم”، قلت، “لقد رأيتُ أمراً عجيباً”.

جلست لأكتب. لم أكتب مقالة لاهوتية، ولا عظة بليغة. كتبت فقط، بكلمات بسيطة ومتعرجة كمسار النمل على الأرض: “عزيزي الرب… لقد سمعت صوتي. قد مدت أذنك لي. لذلك أدعوك طوال أيام حياتي”. كانت الكلمات تسقط على الورقة كقطرات الندى، خفيفة، نقية.

في المساء، ذهبت إلى الجماعة. لم أتحدث عن رؤى أو معجزات. وقفت بينهم، أنا الرجل المكسور الذي وجد مجداً في انكساره. وقلت بصوت خافت يرتج قليلاً: “عندي لك شهادة صغيرة. الرب صالح”. ثم جلست.

الأيام التالية، لم تختفِ المشاكل. الديون ما زالت قائمة، والعلوات ما زالت مؤلمة. ولكن شيئاً ما تغير. صار الألم مكاناً للقاء، لا للهرب. صار الظلام رحمًا تُولد فيه النجوم.

أحياناً، في هدأة الليل، أتذكر تلك الليلة الباردة. وأعلم أن الصرخة التي أطلقتها لم تُهمل. لقد سقطت في أذن القلب الإلهي، وأثمرت ثمراً لا يُرى بالعين، لكنه يحيا في الروح. وأنا، هذا الإنسان الضعيف، المحدود، المملوء تناقضات، أردد لنفسي كلمات المزمور، كأنها أغنية سرية بيني وبين خالقي: “قد انحلت رباطات الموت”. نعم، لقد انحلت. ليس بالموت الجسدي، بل بموت اليأس. وها أنا، أسير بين الأحياء.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *