كان الفجر ينسحب بخفة من حافة العالم، تاركًا خلفه خيوطًا من النور الذهبي تنسج على جوانب الجبال. جلس الشيخ يوحنا على صخرة ملساء عند حافة الوادي، يلفه صمت عظيم لم يكد يتحرك. كان قد اعتاد المجيء إلى هذا المكان مع أولى نسمات الصباح، ليس للصلاة فقط، بل للإصغاء.
واليوم، كان الصوت مختلفًا.
لم يكن صوتًا واحدًا، بل كان كَنَسيًا متصاعدًا من كل شيء. بدأ من أعالي السموات التي كانت تتحول زرقة أمام عينيه. حدث نفسه: “أليست هذه هي السماء التي تسبح؟” وكأن الأفق نفسه يُخرجُ نشيدًا صامتًا، نشيدًا كان يشعر به في عظامه قبل أن يسمعه بأذنيه. تذكر كلمات المزمور القديم: “سبحيه يا سماء السموات.” ونظر إلى الأعالي حيث تلاشت النجوم تباعًا، كأنها شموع تنطفئ بعد أن أدت تسبيحها الليلي.
ثم انتبه إلى الغمام. كانت سحبًا رقيقة بيضاء، تتحرك ببطء كأنها جوقة تسير في موكب مهيب. كان لها همس خاص، صوته كحفيف الحرير ضد زرقة الفجر. “ويا جميع غيومه، سبحيه.” هكذا كانت. حتى الغيوم، العابرة الظلال، كانت تشهد ليس بجمالها فقط، بل بذات وجودها، بحركتها التي تحدث بإرادة غير إرادتها.
انطلقت أولى العصافير من أعشاشها، فكان زقزاقها ليس مجرد نداء، بل كان ترنيمة. جاء من بين الأشجار، من فوق الصخور، من خلف الأدغال. طيور الجبال ذات الألوان الزاهية، وطيور الأرض الداكنة الصغيرة، كلها فتحت حناجرها في لحظة واحدة تقريبًا، كأنما قائد خفي أعطى الإشارة. “سبحيه كل طيور السماء.” وفجأة، رأى سربًا من الحمام يطير في دوائر واسعة، أجنحتها تلمس أشعة الشمس الأولى، فتشكلت حولها هالات من النور، كأن كل طير منها يحمل تسبيحًا مرئيًا إلى العلى.
التفت إلى الجبال. كانت الجبال حول الوادي تقف شامخة، ثابتة منذ زمن أبعد من ذاكرته. لكنها في ضوء الصباح هذا لم تكن صامتة. كانت خطوطها المنحدرة، صخورها الرمادية، نباتاتها المتناثرة على منحدراتها، كلها تردد صدى الخليقة. “تسبحيه يا جبال وكل آكام.” كان تسبيحها في ثباتها، في جذورها الغائرة في الأعماق، في قممها المرفوعة نحو السماء. كانت ككاهن عجوز، واقفًا في الهيكل، لا يحتاج إلى كلمات.
ونزلت عيناه إلى الأرض، إلى شجر السنديان العتيق قرب الجدول. “أشجار الفاكهة وكل أرز.” كانت أغصانها تتحرك برفق، وأوراقها تُصدر حفيفًا ناعمًا، كأنها تهمس بأسرار الخليقة. وشعر بنفحة هواء دافئة تحمل رائحة التربة الرطبة، رائحة إبر الصنوبر، ورائحة زهر بري لم يره. كان كل نفس من أنفاس هذا الصباح يحمل تسبيحًا.
ثم سمع صوت الماء. كان الجدول الصغير يتدفق بين الحجارة، خريره ليس مجرد صوت ماء، بل كان لحنًا مستمرًا. “تسبحيه يا ينابيع.” وفجأة، كما لو أن الخليقة كلها قرأت أفكاره، هبت ريح أقوى، فأصدر البحر البعيد، الذي لم يكن يراه ولكن كان يعلم أنه هناك خلف التلال، هديره العميق. “يا بحار وأنهار، سبحيه.” كان صوت الأمواج يصل إليه خافتًا، كطبلة بعيدة في هذا السيمفونية العظيمة.
التفت إلى الحيوانات. رأى أيلًا واقفًا عند الحافة البعيدة للوادي، رأسه مرفوع، كأنه يستمع هو الآخر. ثم سمع عواء ذئب خافتًا من التلال الشمالية، وزئيرًا بعيدًا لأسد في البرية. “الوحوش وكل البهائم والدبابات والطير المجنح.” لم تكن أصواتها مخيفة في هذا السياق، بل كانت جزءًا من الكورال الكوني. حتى الحشرات الصغيرة التي كانت تطن حول الأزهار البرية، كان طنينها إيقاعًا خفيًا يملأ الفراغات بين الأصوات الكبيرة.
وفجأة، أدرك الأمر. لم يكن هو مجرد مراقب. كان هو أيضًا مدعوًا. نظر إلى يديه المجعدتين، إلى قلبه الذي ما زال ينبض. “ملوك الأرض وكل الشعوب.” هو، الشيخ البسيط الذي لا يملك سوى كوخًا من الطين وقلبًا مليئًا بالذكرى، كان مدعوًا لينضم إلى هذا التسبيح. ليس هو فقط، بل كل البشر. الحكام في قصورهم، الفلاحون في حقولهم، الرعاة مع قطعانهم، الأمهات مع أطفالهن. “الشباب والبنات، الشيوخ والأطفال.” الجميع، بكل ضعفهم وقوتهم، بفرحهم وحزنهم، مدعوون لأن يكونوا صوتًا واعيًا في نشيد الخليقة الأعظم.
نهض على مهل، مفاصله تتألم من الجلوس الطويل. لكن قلبه كان خفيفًا. رفع وجهه نحو السماء الآن وقد امتلأت نورًا، وفتح فمه. لم تكن كلماته مقاسة أو مرتبة. خرجت من أعماقه، خليطًا من الشكر والدهشة والبكاء الذي لم يكن حزينًا.
“سبحي يا نفسي الرب. سبحيه مع كل الخليقة.”
وبينما كان ينطق بهذه الكلمات، شعر وكأن حاجزًا قد سقط. لم يعد منفصلاً عما يراه. كان هو الجبل، كان هو الطير، كان هو خرير الماء وهمس الريح. وكانت الخليقة كلها، بدءًا من أعظم ملائكة في السموات إلى أصغر حبة تراب تحت قدميه، تردد معه، بصوت واحد لا يُحصى، نشيدًا واحدًا قديمًا جدًا، أقدم من العالم نفسه:
“ليكن اسم الرب فقط ممجدًا. علوه فوق الأرض والسماء.”
وساد صمت مرة أخرى. لكنه لم يكن صمت الفراغ. كان صمت الامتلاء، كاللحظة التي تلي آخر نغمة في ترنيمة عظيمة، عندما تبقى النغمة معلقة في الهواء، محفورة في القلب. نزل من على الصخرة، وسار عائدًا نحو قريته، وكان كل خطوة يخطوها على التراب، كل غصن يلامسه، كل نفس يستنشقه، يردد صدى ذلك التسبيح الذي لن ينتهي، حتى بعد أن تُطوى السماء كالسفر، ويبدأ صباح لا يعرف غروبًا.




