الكتاب المقدس

نهر الأمل في بابل

كان الظلام يدب في أرجاء المدينة الغريبة، وكان الهواء البارد يحمل رائحة الطين المحروق وغبار الطرقات البعيدة. جلستُ على حافة النهر، أنظر إلى مياهه الداكنة التي تسير بثقل، كأنها تحمل هموم المنفيين على ظهرها. هنا، في بابل، صار النهر هو مرآتنا، نرى فيها وجوهاً شاحبةً لم نعرفها من قبل، وجوهاً أضاعتها السنون، وأذابتها الغربة.

كان صوت الرب يأتي كالنسيم الخفي في تلك الليالي الطويلة. لا تراه العين، لكنك تشعر به يتخلل روابط اليأس التي تكبل الصدر. كان يقول: “الآن، هكذا يقول الرب، خالقك يا يعقوب، وجابلك يا إسرائيل: لا تخف، لأني فديتك. دعوتك باسمك. لي أنت.”

كنا نهمس بهذه الكلمات حول النار الخافتة، وكأننا نخشى أن تسمعها آذان الحراس. لكن الكلمات كانت أقوى من سجانينا. كانت تنساب إلى القلب كالماء البارد في قيظ اليوم. كنا نرى أنفسنا غرقى في بحر النسيان، لكن ذلك الصوت كان يرفعنا، كان يذكرنا بأننا لم نكن أرقاماً في سجلات الإمبراطورية، بل أسماء محفورة في كف خالق.

وكان يقول الرب: “إذا اجتزت في المياه فأنا معك، وفي الأنهار لا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تلتهب، واللهيب لا يحرقك.”

تذكرت أبي، رحمه الله، وهو يروي كيف اجتاز أجدادنا البحر الأحمر، مياهٌ كالجبال منعت الطريق، ثم انشقت بإرادة من ليست له إرادة ثانية. كنا نضحك أحياناً ونحن نردد: أين تلك المعجزات الآن؟ أين نحن من مياه تنشق، ونار لا تحرق؟ لكن الأب كان يصمت برهة، ثم يقول: المعجزة ليست في البحر الذي ينشق، بل في القلب الذي ينتظر الرب وسط العواصف. المعجزة هي أن تبقى مؤمناً، وأنت ترى وطنك دخاناً في الأفق.

مرت السنون، وصرنا نحفظ وعود الرب عن ظهر قلب، لكن العيون كانت تبحث عن علامة، عن بصيص. حتى جاء ذلك اليوم، يوم الاحتفال الكبير للإله مردوخ. صُنعت التماثيل من ذهب وفضة، وحُملت في مواكب عظيمة، وملأ الدوي السماء. وقفنا ننظر من بعيد، وفي قلوبنا مرارة كالحنظل. سمعتُ صوتاً بجانبي، صوت جاري العجوز، حزقيا، وهو يهمس: “أنتم شهودي، يقول الرب، وعبدي الذي اخترته، لكي تعرفوا وتؤمنوا بي، وتفهموا أني أنا هو. قبلي لم يصور إله، وبعدي لا يكون.”

نظرت إليه، فرأيت دمعتين تتساقطان على خديه المجعدين. قال: “هل رأيت تمثالاً يتنفس؟ هل سمعت صنماً يعد بخلاص؟ إنهم يحملون ما صنعته أيديهم، ونحن نحملنا يدٌ صنعتنا. الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين الحامل والمحمول.”

وفي هدوء الليل، حين يخيم سكون ثقيل على المخيم، كنا نرى النجوم تتلألأ. كانت تلك النجوم هي نفسها التي كانت ترى آباءنا في البرية. كانت تحكي لنا قصة أخرى، قصة الخالق الذي يدعو الكواكب بأسماء، والذي يقول: “أنا أنا الرب، وليس غيري مخلص.”

وكأن النبوءة كانت تنسج مستقبلنا بخيوط من نور. كلام عن طرق في البرية، عن أنهار في القفار، عن وحوش برية تكرمنا، عن بكر شعوبٍ تخدمنا. كنا نسمع ذلك، وننظر حولنا إلى الأغلال، فنتساءل: كيف؟ ولكن الإيمان كان يقول: “هأنذا أصنع أمراً جديداً. الآن ينبت. أفلا تعرفونه؟ أجعل في البرية طريقاً، في القفر أنهاراً.”

لم يكن الأمر الجديد مجرد عودة إلى أرض. كان شيئاً أعمق، كان خلقاً جديداً داخلنا. كنا قد اعتدنا على صورة أنفسنا كأسرى، كغرباء، كناس منسيين. لكن الرب كان يرسم لنا صورة أخرى: شعب مقدس، شهود له، أمة تحمل قصته. كنا مثل ذلك الإنسان الأعمى منذ مولده، الذي لا يعرف شكل وجهه، حتى يأتي من يخبره بأن عينيه تشبهان عينيّ أمه، وأن فمه يبتسم كابتسامة أبيه.

وأخيراً، حين صدر الأمر بالعودة، حين أذن كورش لنا بالمغادرة، لم تكن فرحتنا فرحة أسرى أطلق سراحهم فحسب. كانت فرحة شعب اكتشف أن الرب لم يكن يتكلم عن خلاص أرضه فقط، بل عن خلاص كرامته. عن خلاص ذكراه. عن خلاص يقينه بأنه، رغم كل شيء، لم يكن قطعة في رقعة شطرنج الإمبراطوريات، بل كان ابناً في بيت أبيه.

سيرنا في الطريق الطويل عائدين. كنا نمر بالبراري المقفرة، وكان العطش يلسع الحناجر. لكننا كنا نتذكر: “لأني أعطيت في البرية مياهاً، في القفر أنهاراً، لأشعب مختاري.” لم تكن المياه مجرد سائل يروي الظمأ. كانت تذكرة بأن الوعود لا تتبخر تحت شمس الواقع. كانت علامة على أن الذي خلق البحر الأحمر طريقاً، قادر على أن يجعل من دموعنا جداول حياة.

وصلنا أخيراً، ورأينا أورشليم، أو ما تبقى منها. كانت أكواماً من الحجارة السوداء، وذكرى مؤلمة. وقف الشيوخ يبكون، والصغار يتساءلون: أين المجد الذي حدثونا عنه؟ لكن في وسط تلك الخرابة، ارتفع صوت أحد الكهنة، صوته مرتعشاً من الشيخوخة لكنه صافٍ كجرس: “الشعب الذي شكلته لنفسي، يحكي بمدحي.”

نظرنا حولنا. نظرنا إلى بعضنا البعض. إلى الأيادي المتشابكة، إلى العيون المليئة بالإرث والألم والأمل. عندها فهمنا. المعبد الحقيقي لم يكن مبنيّاً من حجارة، بل من قلوب تذكرت، وآمنت، وانتظرت. النهر الحقيقي لم يكن في بابل ولا في أورشليم، بل كان ذلك النهر المتدفق من عرش الرحمن، الذي قال: “أنا أنا هو الماحي ذنوبك لأجل نفسي، وخطاياك لا أذكرها.”

صباح اليوم التالي، بدأنا ننظف الأنقاض. كانت الشمس تشرق على وجوهنا، وكأنها تقول: “الآن، اكتبوا هذا لعصر آتٍ، ولكل شعب سيولد.” وكنا نكتب، ليس على ورق، بل بحياتنا الجديدة، بحجارة نعيد رفعها، بصلوات نرفعها من بين الركام. كنا نكتب إصحاحاً جديداً من قصة طويلة، قصة شعب، وقصة إله قال: “لا تذكروا الأوليات، والقديمات لا تتأملوا بها. هانذا أصنع أمراً جديداً.”

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *