الكتاب المقدس

نبوءة يوئيل في الظلام

كان يوئيل جالسًا على صخرة مرتفعة تطل على أورشليم، وقد تهرأ ثوب الكتان الذي يرتديه عند المرفقين من طول السجود. كانت الشمس تميل نحو المغيب، فتصبغ أسوار المدينة بلون الدم الباهت. في الأسواق تحتها، كان صوت تجار القمح يعلو، وصليل الفضة على النحاس، وضحكات مختنقة تخرج من زوايا الأزقة. لكن كل هذه الأصوات كانت تصل إليه كهدير بعيد، كطنين ذباب على جيفة.

في قلبه كان صمت ثقيل، ثقيل كحجر الرحى. لم يكن حزنًا عاديًا، بل كان جرحًا ينزف منذ سنوات. نظر إلى السطح حيث أريست طباخة اللحم للقرابين، فشم رائحة شحم يذوب على النار. لكن الله، كما كان يعرف، كان يشم رائحة أخرى: رائحة الغش المختبئ تحت التبن، ورائحة القسم الكاذب الذي يلتصق بالشفاه كقطران.

تذكر كلام الرب الذي جاءه في الفجر، حين كان الندى لا يزال يلمع على أوراق الزيتون: “ليت لي في البرية مَنزِلاً للمسافرين، فأترك شعبي وأذهب عنهم، لأنهم كلهم زناة، جماعة غادرين.”

برية. تمنى يوئيل لو يستطيع. أن يهرب إلى حيث لا يسمع إلا صوت الريح في الصخور، وصوت طير الجوار. لكن الرب ربط روحه بهذه المدينة كما يربط الجلاد المحكوم إلى جذع الشجرة. كان عليه أن يرى، أن يشهد، أن ينطق.

نزل من الصخرة، وأخذ يتجول في الأزقة الضيقة. مر بورشا الحداد، وكان يضرب على السندان بقوة، لكن عينيه كانتا تتلفتان نحو جاره الذي سرق منه قضيبًا من الحديد. مر بامرأة عجوز تبيع الزيتون، وكان فمها يبارك كل من يشتري، وقلبها يحتفظ بحسد مرير لمن عنده أكثر. رأى الأطفال يلعبون بالعظام، ويتعلمون الكذب قبل أن يتعلموا المشي.

وقف عند بئر المدينة. كانت النسوة تجتمعن، وأيديهن على أحقائهن، وألسنتهن كسكاكين. “أسمعْ يا صفية، زوجها خرج البارحة إلى حقله ولم يعد إلا مع الفجر!” “وما تقولين في بنات عزيا، يخرجن بكاسيات عاريات!” ضحكات مكتومة، ثم نظرات حادة كالرماح إذا مر رجل. هنا، في هذا المكان حيث كان الأجداد يشربون ماء العهد، صار الماء مرًا بكلام الغيبة.

عاد إلى كوخه المتواضع عند سور المدينة. على الطاولة الخشبية، كانت درج الرق ممتدًا، والحبر جاف بجانبه. كان يحاول الكتابة، لكن الكلمات كانت تهرب منه كالأفاعي. كيف يكتب عن جروح لا تُرى إلا بالروح؟ كيف يصف الخيانة التي صارت طقسًا يوميًا كغسل اليدين؟

خرج إلى السطح مرة أخرى. الليل نزل الآن، ونقطتان من النار تومضان في برج الحراسة. في بيت مجاور، سمع صوتًا مبحوحًا يغني أغنية حب من تراث موآب. كانت الكلمات تتحدث عن الوفاء، لكن النغمة كانت نغمة سخرية.

هنا، في هذا الظلام، أدرك يوئيل الأمر كله: لقد نسوا كيف يبكون. نَسُوا. الخوف من الرب صار طقسًا أجوف، كجرس يقرعه أعمى. العدل صار سلعة في السوق، يشترى بأقل سعر. الرحمة صارت عارًا على من يمارسها.

رفع وجهه نحو النجوم، وكان صوته خشنًا، كصوت حجر يُجر على تراب: “هكذا يقول رب الجنود: تأملوا وادعوا النائحات ليأتين، وأرسلوا إلى الحكيمات فيأتين. فليعجلن ويرفعن مرثاة علينا، لتفيض عيوننا دموعًا، وتجري أجفاننا ماء.”

لكن من سينوح؟ النائحات المحترفات سينحن من أجل الفضة. الحكيمات سيبحثن عن حكمة تُباع في الأسواق. والبكاء الحقيقي، بكاء الروح الذي يذوب ندامة، هذا لم يعد له وجود هنا. لم يعد إلا الجفاف. جفاف في العيون، في القلوب، في الأرض نفسها.

جلس يوئيل وكتب. أصابعه ترتجف، والحبر يقع على الرق كقطرات المطر الأولى على أرض محروقة. كتب عن الموت الذي يدخل من النوافذ، عن الشباب الذين يسقطون في الشوارع، عن العذارى اللواتي يخرسن إلى الأبد. كتب بلسان من نار، لكن النار كانت باردة، لأنها نار العدل الذي لا يرحم.

“لا تبتهجن، يا أعدائي، إذا سقطتُ، فأنهض. إذا جلست في الظلام، فالرب هو نوري.”

كانت هذه كلمات الرجاء الوحيدة في كل الدرج. جملة واحدة صغيرة، تتألق كجمرة وحيدة في رماد بارد. وضع القلم، وأطفأ المصباح. في الخارج، كانت أورشليم تنام. تنام بسلام الواهمين، الذين يحلمون أن الأسوار تحميهم، وأن الذهب يشترى الخلاص. وهي لا تدري أن السيف معلق بخيط من حرير، وأن النار قد اشتعلت بالفعل تحت عتبات بيوتها.

وبقي يوئيل ساهرًا في الظلام، عيناه جافتان من الدمع المستحيل، وقلبه ينزف ذلك البكاء العظيم الذي لم يعد لأحد غيره أن يبكيه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *