في ذلك الزمن الذي تكلمت فيه الكلمة إلى النبي، في أرض المنفى، جلس حزقيال على ضفة النهر ووجهه مثقل برؤى الرب. فهبت ريح شرقية حارة تحمل عبق التراب والملح، وكأنها نفس الأرض البعيدة، أرض الآباء. فرفع عينيه ورأى…
كانت مدينة، ليست ككل المدن. ولدت في أرض الكنعانيين، أبٌ أموري وأمٌ حثية. وفي يوم ولادتها، لم تُقطع سُرتها، ولم تُغسل بماء للتطهير، ولم تُملح تملحاً، ولم تُقمط بقطن. وُضعت في العراء على حافة الحقل، محتقرة في عين نفسها، في يوم وُلدت فيه.
فمررت بكِ، ورأيتكِ تتخبطين في دمكِ، فقلت لكِ: “عيشي!” نعم، قلت لكِ: “في دمكِ عيشي!” فربيتكِ كالنبات في الحقل. فنمتِ وكبرتِ، ووصلتِ إلى سن الزينة، ثدياكِ نهدا، وشعركِ نما طويلاً. لكنكِ كنتِ عريانة وحافية.
فمررت بكِ مرة أخرى، ورأيتكِ وقد بلغتِ سن الحب. فبسطت ذيلي عليكِ، وغطيت عورتكِ. ثم حلفت لكِ، وقطعت معكِ عهداً – يقول السيد الرب – فصارتِ لي.
فاغتسلتكِ بالماء، وشطفت عنكِ الدماء، ومسحتكِ بزيت. وكسوتكِ مطرزة، ونعلتكِ بتمساح، وأعصبت رأسكِ بكتان، وألبستكِ حريراً. وحليتكِ بحلية، ووضعت أساور في معصميكِ وطوقاً في عنقكِ. ووضعت خزامة في أنفكِ وأقراطاً في أذنيكِ، وتاج جمال على رأسكِ.
فازدانت بالذهب والفضة، ولباسكِ من كتان ناعم وحرير ومطرز. وأكلتِ دقيقاً وعسلاً وزيتاً. فجملتِ جداً، وترقتِ إلى ملكوت. فذاع صيت جمالكِ بين الأمم، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي وضعته عليكِ – يقول السيد الرب.
لكنكِ اتكلتِ على جمالكِ، وزنيتِ على صيتكِ، وسكبتِ دعارتكِ على كل مار. وأخذتِ من ثيابكِ المطرزة، وصنعتِ لكِ مرتفعات ملونة، وزنيتِ عليها. وأخذتِ حليّكِ من ذهبي وفضتي التي أعطيتكِ إياها، وصنعتِ لكِ تماثيل ذكر، وزنيتِ معها.
وأخذتِ ثيابكِ المطرزة، وكستها بها، وزيتي وبخوري وضعتها أمامها. وخبزي الذي أعطيتكِ إياه، دقيقاً وعسلاً وزيتاً لأطعمكِ به، وضعته أمامها برائحة طيبة. وكان الأمر كذلك – يقول السيد الرب.
ثم أخذت بنيك وبناتك الذين ولدتهم لي، وذبحتهم لها طعاماً. أليس هذا من دعارتكِ القليلة؟ وذبحت بنيَّ وأعطيتهم لها، بأن تجوزيهم.
ولم تكتفِ بكل هذه الدعارة، حتى أنكِ لم تذكري أيام صباكِ، حين كنتِ عريانة وحافية، تتخبطين في دمكِ. وبعد كل شركِ – ويحكِ، ويحكِ – يقول السيد الرب.
فها أنا أضرب بكفي على كل ما فعلتِ من فجور، وعلى دم بنيكِ الذي أعطيتهم. فهل يثبت قلبكِ، أو تقدرين يداكِ، في الأيام التي أتعامل معكِ فيها؟ أنا الرب تكلمت، وسأفعل.
ولكن مع ذلك، أذكر عهدي معكِ في أيام صباكِ، وأقيم لكِ عهداً أبدياً. فتذكرين وتخجلين، ولا يفتح فاكِ بعد من الخزي، حين أكفر عنكِ عن كل ما فعلتِ – يقول السيد الرب.
وصمت النبي. وغربت الشمس على ضفة النهر، وصار وجهه كوجه رجل رأى مدينة كاملة تمشي في خطاياها، ثم تذكرتْ، في اللحظة الأخيرة، يداً غسلتها في يوم مولدها، وصوتاً قال لها: “عيشي”.




