فجر اليوم الجديد ينساب بلطف فوق الأرض الموعودة، حاملاً معه نسماتٍ تعلو برائحة التراب المبلول بالندى وأصوات طيور بدأت تغرد في أطراف الوادي. وقف الشيخ ألياقيم، بعينين متجهدتين من السنين، ينظر إلى السهل الممتد أمامه. كانت الذاكرة تعود به إلى سنوات السبي والترقب، والآن ها هو الوعد يتحول تحت قدميه إلى تراب وحجارة وحدود.
كانت الأوامر واضحة في التوراة، منقوشة في قلبه قبل أن تكون محفوظة في الدرج. القبائل اثنتا عشرة، ولكلٍ نصيبها، ولكل نصيبٍ بوابةٌ في المدينة المقدسة. لكن هذا التقسيم لم يكن مجرد خطوط على رقعة جافة؛ كان نسيجاً من العلاقات، نبوءة عن سلام قادم.
في الشمال، ابتدأ التقسيم من شاطئ البحر الكبير. هناك، عند المياه الزرقاء العميقة، أقامت قبيلة دان معسكرها. كانت أرضهم تمتد كشريط من الرمل الذهبي والتربة الخصبة، تحرسها التلال من الشرق. كان صوت أمواج البحر يختلط بأصوات الصيادين وهم يصلحون شباكهم عند الفجر. تليهم أشير، بأرضٍ تدر زيتوناً وغنماً، تكاد أغصان أشجارها تنحني من ثقل البركة. ثم نفتالي، في المنحدرات الخضراء حيث تنساب جداول الماء بصوتٍ عذب.
في الوسط، تسجلت أرض القدس، القطاع المقدس الذي خصص للرب. خمسة وعشرون ألف قصبة عرضاً، وطولاً مثل السهم الذي يصل بين الشمال والجنوب. في قلبها المدينة، مربعة الشكل، أبوابها تحمل أسماء الأسباط. حولها أرض الكهنة، بني صادوق، الذين حفظوا الشريعة وسط النيران. ثم أرض اللاويين، خدام الهيكل ومعلمو الشريعة. كان هذا القطاع كالقلب النابض في جسد الأرض كلها.
إلى الجنوب، بنيامين، القبيلة الصغيرة بحجمها، الكبيرة ببركتها. أرضهم كانت بوابة الجنوب، تربط المقدس بالبشري. ثم شمعون، يسكنون في السهول المنبسطة حيث تتحرك قطعان الماشية كسحب على الأرض. ثم يساكر، أهل الزراعة والحكمة، يعرفون دورة الفصول ومواقيت الحصاد. ثم زبولون، وهم على طريق القوافل، يلتقون بالغرباء ويشهدون للرب بين الأمم.
وفي أقصى الجنوب، عند تخوم الصحراء، جاد، أشداء كالجبال التي تحميهم. ثم رؤوبين، في الأرض التي تذكرهم بدروس الماضي. وأخيراً، يهوذا، قبيلة الملك الآتي، موطن داود وجذور المسيا المنتظر.
كان الشيخ ألياقيم يمشي ببطء على الحدود الفاصلة بين نصيب بنيامين ونصيب الكهنة. وضع يده المرتعشة على حجر الحدود المنحوت. لم يكن هذا الحجر مجرد علامة جغرافية؛ كان شاهداً على عدل الله الذي يقسم ولا يظلم، يفرق ليجمع، يحدد ليوسع.
تذكر كلمات النبي حزقيال وهو يصف النهر الذي يخرج من عتبة الهيكل، يجرى إلى البحر الميت فيعذب مياهه. هكذا كانت هذه التقسيمات، نهراً من البركة يفيض من المقدس إلى المدنس فيقدسه. كل بوابة تحمل اسم قبيلة، ليس للتفضيل، بل للتذكير أن الجميع مدعوون إلى حضرة الرب.
عند الغروب، اجتمع شيوخ القبائل عند الحجر الأبيض الكبير في وسط قطاع القدس. وقف كل واحدٍ يتحدث عن أرضه، عن جبالها وتلالها، عن ينابيعها وحصادها. لكن الكلام لم يكن عن الملكية، بل عن العطية. لم يتحدث أحد عن “أرضي”، بل عن “النصيب الذي أعطانيه الرب”.
قال شيخ من يساكر: “أرضنا تدر قمحاً كالذهب، وسنرفع أول حزمة إلى الهيكل”. فأجاب شيخ من نفتالي: “وعندنا ثلوج الجبال تذوب لتشرب أراضيكم، فهي عطية للجميع”. وضحك شيخ من دان قائلاً: “وسنصطاد من البحر ما يكفي ولائم الأعياد”.
كانت هذه أحاديثهم حتى ظهرت النجوم. ونظر الشيخ ألياقيم إلى السماء المرصعة، ثم إلى الأرض المقسَّمة تحت قدميه، فأدرك حكمة الساكن في الأعالي. التقسيم لم يكن لفصل الشعب، بل لتعليمهم أن البركة تتدفق عندما يعرف كلٌ مكانه، عندما يحترم حدوده، عندما يتذكر أن الأرض كلها للرب، وأنهم غرباء ونزلاء عليها.
وفي صباح اليوم التالي، بدأوا برفع خيامهم وبناء مذابحهم المؤقتة على تخومهم. وكان دخان البخور يرتفع من كل قسمٍ كسلسلة جبال من الصلاة تتصل ببعضها، حتى صارت الأرض كلها مذبحاً واحداً، والشعب كله كهنة، والحدود كلها أبواب مفتوحة للسماء.




