كان الهَجير يلفُّ السَّامرة كرداءٍ ثقيل، والغبار يعلو وجهَ الطَّريق المؤدِّي إلى السُّوق. تحت أشعَّة الشمس الحارقة، كان “عاموس” الرَّاعي يقف متأمِّلاً في زحام الباعة والمشترين، أصواتٌ تتدافع، وروائح الزَّيتون والقمح تختلط برائحة العرق والأرض الجافة. لم يكن رجلاً من أهل القصور، ولا من بني الأنبياء، لكنَّ كلماتٍ كانت تُخْبِرُ في صدره كالنَّار في الحطب الجاف.
رأى رجلاً من أشراف المدينة يمرُّ بثوبٍ فاخر، يتوكَّأ على عصا من خشب الزَّيتون المزيَّن، وحوله خدمٌ يحملون مظلَّةً تظلُّله من حرِّ النَّهار. توقَّف الرَّجل أمام دكَّان بائع الأقمشة، يمسك بثوبٍ من صوفٍ ناعم، يتأمَّل جودته، ثمَّ يطلب قِطَعاً أكثر. وفي زاوية، كانت امرأة عجوز تجلس على الأرض، تمدُّ يدها بهدوء، عيونها تنظر إلى البعيد كمن ينتظر شيئاً لن يأتي.
اقترب عاموس من الرَّجل، ونظر إليه بنظرةٍ ثاقبةٍ كتلك التي ينظر بها إلى أغنامه حين تعبر وادياً خطيراً. قال بصوته الَّذي يشبه هسير الرِّيح بين أشجار التِّين: “أترى هذه الأقمشة، يا صاحب المجد؟ أتعلم من أين جاءت؟”. التفت الرَّجل باستعلاء، وقال: “ومن أنت حتى تسأل؟”. أجاب عاموس: “أنا راعٍ من تَقُوع، أَرعى غنمًا وأجني جُمَّيزَ البرِّيَّ”. ضحك الرَّجل وقال: “فما شأنك هنا، في سوق السَّامرة؟”.
أشار عاموس إلى الجبال البعيدة، حيث تلوح قممُها الزَّرقاء في الضباب الحروريِّ، وقال: “اسمع! هل يزأر الأسد في الغابة ولا يفزع صغاره؟ هل يقع العصفور في الفخِّ إلاَّ إذا كان هناك شركٌ مُعدٌّ له؟”. نظر الرَّجل محتاراً، وقال: “ما هذا الكلام؟”. تابَع عاموس، وصوته يرتفع قليلاً: “إذا دقَّت أجراس الخطر في المدينة، ألا يرتعد أهلها؟ إذا سمعتم صوت الربِّ، ألا ترتجف قلوبكم؟”.
ساد صمتٌ لَحْظَةً، ثمَّ قال عاموس بنبرةٍ حزينةٍ عميقة: “يا أهل السَّامرة، لقد نعمتم بالقصور المنحوتة من الحجارة الكريمة، وامتلأت مخازنكم من خيرات الأرض. لكنَّكم سلبتم الفقير قوته، وزدتم ثقل الحِمْل على المساكين. تَدوسون على رقاب البائسين كأنَّهم تراب الطَّريق، وتظنُّون أنَّ النَّعمة ستَدوم بلا حساب”.
رفع الرَّجل عصاه كما لو كان يهدِّد، لكنَّ كلمات عاموس استمرَّت كالمطر المتواصل: “هل تسير اثنان معاً إذا لم يتواعدا؟ هل نُدِبَ الأسد في الوعر وهو شَبِعٌ؟ أتُرَى تصفرُّ الطَّير في الهواء إلاَّ إذا وقع في الشبكة؟ إذا أصابت المدينة مصيبة، ألم يكن الرَّبُّ هو الفاعل؟”. ثمَّ أضاف، وعيناه تشعان بنورٍ غريب: “إنَّ الرَّبَّ لا يصنع أمراً إلاَّ وهو يعلن سرَّه لعبيده الأنبياء. الأسد قد زأر، فمن لا يخاف؟ السَّيِّد الرَّب قد تكلَّم، فمن لا يتنبَّأ؟”.
ساد السُّوق صمتٌ ثقيل، حتَّى كاد يُسمع حفيف أجنحة الحمام على السَّطوح. نظر النَّاس بعضهم إلى بعض، وبدأت كلمات عاموس تتسرَّب إلى أذانهم كالماء البارد على الأرض المتشققة. ثمَّ استدار الرَّاعي وبدأ يمشي بعيداً نحو بوابة المدينة، وكأنَّه يعود إلى بريَّته وجباله. لكنَّ كلماته بقيت معلَّقة في الهواء، كرائحة المطر قبل أن ينزل على أرضٍ عطشى.
كانت رسالته واضحةً كالشَّمس في كبد السَّماء: أنَّ الدَّمار آتٍ، لا لأنَّ الرَّبَّ قاسٍ، بل لأنَّ العدلَ قد مُزِّقَ كالثَّوب الخَلِق. لأنَّ الصَّوتَ سُمع، والفخَّ نُصِب، والرَّعدُ دَوَّى، فمن له أذن للسمع فليسمع.




