بعد أن هدأت الغبرة في قيصرية، واستقر الغبار على الطريق المؤدي من أورشليم، وجد بولس نفسه في ثكنة الحاكم الروماني. كانت الأروقة الرخامية الواسعة لقصر هيرودس تتنفس برودةً كئيبة، تناقض حر الصيف الخانق خارج الأسوار. من نافذة ضيقة في غرفة حراسه، كان يرى أشرعة السفن في الميناء تنتفخ كصدور طيور عملاقة، متجهة إلى أماكن لن يراها ربما مرة أخرى.
في اليوم التالي، سمع بولس أصواتاً مألوفة تتردد في القاعة الكبرى. جاء رؤساء الكهنة مع شيوخ اليهود، ومعهما خطيبهم ترتلسوس، رجلٌ كانت كلماته تُصقَل كالسكاكين. عندما دخل بولس، مقيداً بسلاسل خفيفة بين جنديين، شعر بثقل الأبصار عليه. نظرات الحاكم فيلكس كانت باردة، محسوبة، كمن ينظر إلى لوح شطرنج.
وقف ترتلسوس، وبدأ كلامه بمدائح مفرطة للحاكم، كانت حلاوتها تفوح منها رائحة النفاق. ثم انتقل إلى الاتهامات: “وجدنا هذا الرجل مفسداً، ومهيج فتنة بين جميع اليهود في المسكونة، ومقداماً لشيعة الناصريين. وحاول أن ينتهك حرمة الهيكل أيضاً…”
كان صوت ترتلسوس ناعماً، متدرجاً، يحاول أن ينسج من نصف الحقوق حبكةً كاملة. اليهود الذين معه كانوا يؤمنون بكل كلمة، وجوههم مشدودة بالغضب المقدس. لكن بولس، وهو واقف، كانت سلسلته تطن طنيناً خفيفاً عندما تحرك ليبدأ رده.
بدأ بولس ليس بالدفاع عن نفسه فحسب، بل بشهادة. صوته، رغم هدوئه، كان يحمل قوةً مختلفة، قوة شيء مختبر. “لأنك قاضٍ لهذه الأمة منذ سنين كثيرة، فأنا بكل طمأنينة أحاجّ عن نفسي.” شرح كيف أنه جاء إلى أورشليم ليس ليُفسد، بل ليعبد. وكيف أن خصومه لم يجدوه في الهيكل وهو يجادل أحداً أو يجمع جمعاً. وتحدث عن “الطريق”، كما كانوا يسمونه، ذلك الإيمان بالله حسب الناموس والأنبياء، راجياً قيامة الأموات، البارّ والأثيم.
كانت لحظة محرجة في المحكمة. فبولس لم ينفِ التهم فقط، بل قلب الطاولة بلطف، مذكراً الجميع بأن جوهر الخلاف هو إيمان راسخ بقضية إلهية، وليس جرائم دنيوية. رأى بولس في عيني فيلكس تلميح اهتمام. كان الحاكم، كما عُرف عنه، رجلاً يعرف الكثير عن “طريق” هذا الناصري، وكانت زوجته دروسيلا اليهودية تهمس له أحياناً بأخبارهم.
أمر فيلكس بإرجاء القضية، بحجة قدوم قائد الالئمة ليسياس. لكن بولس عرف أن الأمر كان أعمق. لقد رأى تردداً في عيني الرجل الذي اشتهر بالقسوة والجشع. وهكذا بدأت أيامٌ غريبة من الانتظار. لم يطلق سراح بولس، لكنه نال حريّة نسبية. كان مسموحاً لأصدقائه أن يخدموه، وكان فيلكس نفسه يأتي بين الحين والآخر، مع دروسيلا، ليسمع منه “عن الإيمان بالمسيح يسوع”.
تلك الجلسات الخاصة كانت أغرب من المحاكمة العلنية. في غرفة خاصة، بعيداً عن مراسم المحكمة، كان الرسول المقيد يتحدث عن البر، والضبط النفسي، والدينونة الآتية. وكان فيلكس، الحاكم الماكر الذي لا يتحرك إلا لمصلحته، يرتعد أحياناً. لكنه كان يطرد الخوف سريعاً، مشيراً بيده: “أمض الآن، ووقتاً آخر أستدعيك.” كانت تملأه الرغبة في أن يسمع المزيد، وفي الوقت نفسه، الأمل الخفي بأن يقدم له بولس أو أتباعه رشوةً لفك أسره. ولكن لم يكن هناك مال يأتي، فقط كلمات عن كنز آخر.
وهكذا انقضت سنتان. صيفان وشتاءان في قيصرية. كانت السلاسل قد أصبحت جزءاً من حياته اليومية، لكن قلبه ظل متسعاً أكثر من البحر الذي كان يشاهده كل يوم. كان يكتب رسائل، يستقبل الزوار، ويشجع المؤمنين الذين جاءوا من أماكن بعيدة لرؤية السجين الذي كانت كلماته تتحرر من قيوده لتجوب الإمبراطورية.
وفي النهاية، عندما غادر فيلكس منصبه، ترك بولس في السجن، هديةٌ غير مرغوب فيها لخليفته فستوس، كي يكسب ودّ اليهود. لكن بولس، وهو يسمع خطى الحاكم القديم تبتعد في الأروقة للمرة الأخيرة، لم يشعر بالمرارة. كان يعلم أن كل خطوة من هذه الخطوات الطويلة، من أورشليم إلى هذه الغرفة، كانت تقوده، سلاسله وجميعها، إلى مكانٍ آخر. إلى روما نفسها. وكان الصبر، في قلبه، ليس استسلاماً، بل نوعاً من اليقين الهادئ، كمن يرى السحاب يتحرك ببطء نحو وجهةٍ معلومة، بينما هو ثابت على الأرض، ينتظر إشارة الرحيل.




