كان المساء قد أطبق جناحيه على أورشليم، ونسيم آذار البارد يحمل معه رائحة التراب البلسمي بعد سكون المطر. في العلية التي استأجرها لهم، كانت أصوات الرجال الاثني عشر تختلط مع همسات الشموع المتذبذبة على الجدران الحجرية. رائحة خبز الشعير المحمص وخمر النبيذ الأحمر الثقيل تملأ الفضاء المحدود، حيث تجمعوا حول المائدة المنخفضة.
كان يسوع جالساً بينهم، صامتاً أكثر من العادة. عيناه، اللتان عادة ما تشعان بنور يفهمه التلاميذ، كانتا ثاقبتين كأنهما تنظران إلى مسافة لا يبلغها أحد. لاحظ يوحنا، المتكئ على صدره، كيف كانت أصابع المعلم تضغط بلطف على حافة الكأس الخشبية، وكيف أن خطاً عميقاً قد حفر جبهته، خطٌ من همٍّ لم يجرؤ يوحنا على سؤال عنه.
كان الجو مشحوناً بتوقع غير مسمى. حتى بطرس، عادة ما يكون صوته الأعلى، كان يهمس مع اندراوس عن التحضيرات للفصح. من الزاوية، كان يهوذا الاسخريوطي يرتب بعض الأكياس الجلدية، وصوته خفيض حين سأل عن نفقات الزيت والمصابيح.
ثم، بفعلة فاجأت الجميع، نهض يسوع من مكانه. نزع رداءه الخارجي ووضعه على مقعد حجري بجانب الحائط. لم يقل كلمة. التقط منشفة من كومة القماش البيضاء وشدها حول خاصرته، ثم ملأ جرّة ماء كانت واقعة عند الباب. حنى قامته، تلك القامة التي وقفت شامخة على جبل التطبيق وعلى هيكل سليمان، وانحنى أمام أحذية التلاميذ المليئة بغبار الطرقات الترابية.
بدأ بغسل أرجلهم.
كان الماء يصدر صوتاً هادئاً في الطست النحاسي. كانت يدا يسوع، الناعمتان القويتان، تمسحان بلطف الأقدام المتشققة، المتعبة. كان يرفع كل قدم بحنان أم، يغسلها بتؤدة، ثم يمسحها بحواف المنشفة المربوطة حوله. صمت ثقيل ساد العلية، لا يكسرها سوى حفيف القماش وخرير الماء. نظر التلاميذ بعضهم إلى بعض، عيونهم واسعة من الدهشة والخجل. لم يكن هذا من شأن السادة، بل من شأن العبيد.
وصل إلى سمعان بطرس. نظر بطرس إلى تلك اليدين، يدَي معلمه، وهما تمدان نحو قدميه القذرتين من تراب الطريق من بيت عنيا. “يا سيدي!” انفجر بطرس، صوتٌ مكتومٌ بالألم، “أنت تغسل قدميَّ أنا؟!”
رفع يسوع وجهه إليه. في عينيه لم يكن ذلّ الخادم، بل وقار ملك. “ما أنا أفعله لا تفهمه أنت الآن، ولكنك ستفهمه فيما بعد.”
هز بطرس رأسه بعنف، شعر وجهه الأشعث يهتز. “لن تغسل قدميَّ إلى الأبد!” كان الأمر أشبه برفض بركة، رفض نعمة لم يستوعبها قلبه الجريء المتسرع.
توقف يسوع، ولم تبرح يداه الطست. “إن كنت لا أغسلك، فليس لك معي نصيب.”
تغيرت أحوال بطرس في لمحة. من المتكبر الرافض إلى الطفل المستسلم. “يا سيدي، ليس رجليَّ فقط، بل أيضاً يديَّ ورأسي!” قالها بنفس الحماسة التي ينقض بها إلى البحر.
ابتسم يسوع ابتسامة حزينة عريضة. “الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه، بل هو طاهر كله. وأنتم طاهرون، ولكن ليس كلكم.” قال هذه الكلمات الأخيرة ونظرته تسبح في الغرفة، لتقع على عينين تجنبتا النظر المباشر. كان يعلم من سيسلمه. كان يعلم، ومع ذلك انحنى ليغسل قدميه أيضاً.
واصل عمله حتى انتهى من آخرهم. أعاد الطست، صب الماء المتسخ من النافذة الصغيرة إلى الظلام الخارجي. ثم ارتدى رداءه وجلس بينهم مرة أخرى، والمنشفة لا تزال معلقة على حجر الحائط كشارة غريبة.
“أتفهمون ما قد فعلت بكم؟” صوته كان ناعماً وحازماً. “أنتم تدعونني معلّماً وسيداً، وحسناً تقولون، لأني أنا كذلك. فإذا كنت أنا، السيد والمعلم، قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأني أعطيتكم مثالاً، حتى كما صنعت أنا بكم، تصنعون أنتم أيضاً.”
كانت الكلمات تنساب كالنور في الظلمة. كان يشرح، ولكن ليس كمن يلقي خطبة، بل كمن يفتح سراً من أسرار الملكوت. “الحق الحق أقول لكم: إن كان أحد يرسل خادماً، فالعبد ليس أعظم من سيده، ولا الرسول أعظم من مرسله. إن كنتم قد علمتم بهذا، فطوباكم إن عملتموه.”
ثم صمت برهة. والشموع صارت أقصر، والظلال أطول على الحائط. أخذ رغيفاً من على المائدة، وكسره بيديه. “ليس عن جميعكم أقول. أنا أعلم الذين اخترتهم. ولكن ليتم الكتاب: ‘الذي يأكل خبزي رفع عليَّ عقبه.'”
حزن عميق استقر في المكان. نظرات متبادلة حائرة، وأسئلة مكتومة على الشفاه. “من هو؟” همس أحدهم. “هل هو أنا؟” سأل آخر بخوف.
كان يسوع قد غمس اللقمة في الصحن من المرق، ومدها بهدوء. مد يده عبر ضوء الشمعة المتذبذب، عبر ظلال الأجساد القلقة، وناول اللقمة ليهوذا بن سمعان الاسخريوطي. وفي تلك اللحظة، كما كتب لاحقاً يوحنا الذي رأى، دخل الشيطان إلى قلب ذلك التلميذ.
“ما أنت تعمله فاعله بأكثر سرعة”، قال يسوع له بصوت خافت، صوتٌ للآذان المقصودة وحدها.
لم يفهم الباقون. ظن بعضهم أنه يأمره بشراء ما يلزم للعيد، أو بإعطاء شيء للفقراء. لأن يهوذا كان يحمل الصندوق. أخذ اللقمة، وابتلعها. ثم نهض فجأة، كمن يتذكر موعداً، واندفع نحو الباب. فتح الباب الخشبي الثقيل، فدخل نسيم الليل البارد حاملاً رائحة الزيتون والأسوار الحجرية. ثم اختفى في الظلام. وكان ليلاً.
بعد أن خرج، تنفس يسوع بعمق، كأن ثقلاً قد رفع. ثم فتح قلبه كله لهم، لهؤلاء البسطاء المرتبكين الذين سيحملون النور بعد رحيله. “الآن تمجد ابن الإنسان، وتمجد الله فيه.” تكلم عن محبة جديدة، عن وصية جديدة: “أن تحبوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا، تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً.” كانت كلمة “محبة” تتردد في العلية كجرس ناعم. محبة تتجسد في منشفة وطست ماء، في انحناءة قامة، في لقمة مُسلمة إلى الخائن.
“لا تضطرب قلوبكم. أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي.” وعده لهم كان كالمرساة في بحر الهواجس الذي بدأ يثور في صدورهم. كان يصوغ لهم عالماً جديداً، بيتاً روحياً، حيث لا يكونون عبيداً بل أبناء، حيث تثبت محبته فيهم كالكرمة والأغصان.
كان الليل قد تقدم، وكانت أصوات المدينة قد خفت. صعدوا من العلية إلى سطح المنزل، حيث كانت السماء المرصعة بالنجوم تمتد فوقهم كرداء ملكوتي. وكان يسوع يتكلم عن بيت أبيه، عن المنازل الكثيرة، عن الذهاب والإعداد والمجيء مرة أخرى. وكانت كلماته تنساب كالنهر الهادئ، تغسل قلقهم، وتروي ظمأ نفوسهم إلى اليقين.
تحت أقدامهم، كانت أورشليم تنام. وفي بستان قريب، كان شجر الزيتون يهمس بأوراقه للريح. والطريق من العلية إلى ذلك البستان كان ممهداً، وسيمر عليه قريباً رجل وحيد، حاملًاً في قلبه ثلاثين من الفضة، وفي داخله ظلمة لا تنتهي. ولكن هنا، على السطح، تحت نجمة الصباح، كان النور يبدأ رحلته. نور لن يطفئه، ولا الليل الكثيف، ولا خيانة قريب.




