كان النهار يميل نحو المغيب، وصارت أشعة الشمس الذهبية الأخيرة تلمع على نوافذ كنيسة مار جرجس الصغيرة في حي الزهور. داخل القاعة، كانت رائحة البخور الخفيفة ما تزال عالقة في الهواء، ممتزجة برائحة الكتب الورقية القديمة وأخشاب المقاعد المصقولة بالزمن. جلس الأب أنطونيوس في غرفته المتواضعة الملحقة بالكنيسة، ينظر إلى ورقة مرصوصة أمامه عليها بعض الأسماء والتعليقات. كان قلبه مثقلاً.
فمنذ أشهر، بدأ خلاف خفي يتسلل إلى جسد الكنيسة الصغير. سليم، الشماس ذو الصوت الجهوري، كان يشعر بأن خدمته في الترتيل هي الأهم، وأن الآخرين لا يبذلون الجهد الكافي. أما لينا، التي كانت تدرس الأطفال بأسلوب بديع، فكانت تظن أن خدمة التعليم هي القاعدة وأساس البناء، وتتذمر أحياناً من ضجيج الشباب الذين يجتمعون في ساحة الكنيسة للرياضة. والشباب أنفسهم، بقيادة مازن النشيط، كانوا يرون أن جهودهم في تنظيم النشاطات وجلب أقرانهم هي ما يحيي الكنيسة حقاً، وينظرون باستخفاف إلى لجنة الصيانة التي يرأسها جورج، ذلك الرجل الهادئ الذي لا يكاد يسمع صوته، لكنه يعرف كيف يصلح أي عطل في الكهرباء أو السباكة بأقل التكاليف.
الأب أنطونيوس تنهد. لقد لاحظ تغيراً في نبرة الحوار في اجتماعات المجلس، لاحظ الغيرة المرة والتنافس على الظهور. لقد صار كل عضو يرى عطاياه وكأنها الأفضل، وكأن الخدمة مسابقة يفوز فيها الأبرز. حتى في الأعياد الأخيرة، كان هناك فتور في التحضيرات، لأن كل فريق عمل بمفرده، منتظراً أن يطلب الآخر المساعدة.
قرر الأب أنطونيوس أن يفعل شيئاً. لم يرد أن يلقي موعظة مباشرة تكسر الحواجز، بل أراد أن يزرع الفهم في القلوب. في يوم الخميس، أعلن أن السبت القادم سيكون نزهة لجميع أبناء الكنيسة إلى منطقة حرجية في ضواحي المدينة، تتبعها جلسة مسائية حول نار المخيم.
جاء اليوم، وتجمع الجميع في باص كبير استأجره القس. كانت الأجواء أول الأمر رسمية بعض الشيء، متحفظة. سليم جلس مع مجموعة المرتلين، ولينا مع بعض الأمهات، وشباب مازن في المؤخرة يضحكون بصوت عالٍ، وجورج جلس وحيداً قرب النافذة يتأمل الطريق. لكن الطبيعة الخلابة بدأت تذيب الجليد شيئاً فشيئاً. الهواء النقي، وروائح الصنوبر والأرض الرطبة، وصوت النهر البعيد.
وصلوا إلى الموقع، وأخذ كل شخص يساعد في إنزال المؤن. هنا ظهرت أولى المفارقات. الشباب القويون حاولوا نصب الخيمة الكبيرة، لكنهم عجزوا عن تثبيتها بشكل صحيح أمام ريح خفيفة. تقدّم جورج بهدوء، وطلب من مازن أن يمسك عاموداً هنا، ومن شاب آخر أن يشد الحبل هناك، وبلفتات بسيطة من خبرته ثبت الخيمة كالصخرة. نظر الشباب إليه باحترام جديد.
عند تحضير الغداء، احتاجت لينا ومن معها إلى طاولات لنشر الطعام. مرة أخرى، كانت الخشبات موجودة ولكن مفككة. تحيروا. اقترب سليم، الذي كان قبل قليل يغني لفرقة صغيرة، وقال: “في ورشة النجارة التي أعمل بها، نركب هذه الطاولات كثيراً”. أخرج مفكاً من حقيبته، وفي دقائق كان قد ثبت الطاولات بمهارة فاجأت الجميع، خاصة أولئك الذين كانوا يعتقدون أن صوته هو كل ما يملك.
مع غروب الشمس، أشعلوا النار الكبيرة. تجمع الجميع حول الدفء المتوهج، والوجوه المشرقة بلونه البرتقالي. بعد أن شربوا الشاي وتناولوا الحلويات، أخذ الأب أنطونيوس كتابه المقدس القديم بغلافه الجلدي الباهت. نظر إلى الحضور بعينين دافئتين وقال: “أريد أن أقرأ لكم كلمات كتبها بولس الرسول منذ قرون طويلة، إلى كنيسة كانت تشبهنا كثيراً، فيها من يغني، ومن يعلم، ومن ينظم، ومن يصلح”.
وبصوته الهادئ الواضح، بدأ يقرأ من الرسالة إلى أهل كورنثوس: “فَإِنَّ الأَجْسَادَ نَحْنُ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ أَعْضَاءُ بَعْضِنَا الْبَعْضِ… أَمَا الْعَيْنُ فَلاَ تَقْولُ لِلْيَدِ لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ، وَلاَ الرَّأْسُ أَيْضاً لِلرِّجْلَيْنِ لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكُمَا”. كان يصغي الجميع، وصمت الليل يحيط بهم، ولا يسمع سوى فرقعة النار وتصفير الريح بين الأغصان.
ثم توقف الأب، وأغلق الكتاب. قال: “انظروا إلى هذه النار. هل تستطيع شعلة واحدة أن تدفئنا جميعاً؟ إنها تحتاج إلى كل الحطب، الكبير والصغير، المستقيم والملتوي، كل قطعة تشتعل حسب قدرتها وتعطي دفئها. وإذا أزلت واحدة، يقل الدفء للجميع.”
وسكت برهة. ثم أردف: “كنيستنا هي جسد. سليم، صوتك الجميل في الترتيل هو كالعين التي ترى جمال الله وتريه لنا. لينا، موهبتك في التعليم هي كاليد التي تبني وتشكل الأجيال القادمة. شبابنا النشطاء هم كالأرجل التي تحمل الجسد وتتحرك به إلى العالم. وجورج وأمثاله هم كالقلب الهادئ الذي لا نراه، لكنه يضخ الحياة في كل الأعضاء. إذا توقفت يد عن العمل، يصبح الجسد أعرج. إذا توقفت عين عن الرؤية، يسير الجسد في الظلمة. ولو تكلمت كل الأعضاء بلغة واحدة، فأين تكون حكمة الله في التنوع؟”
لم تكن كلماته خطاباً محفوظاً، بل كانت تأملات تنبع من قلب راعي شاهد تقلبات قطيعه. كان يتوقف، يبحث عن الكلمات أحياناً، وينظر إلى وجه كل واحد منهم.
فتح باب النقاش. وتحدث مازن أولاً، بصراحة الشاب: “أنا أعتقد أننا كنا نتصرف كأطفال. كنا نريد أن نكون الأبطال في الكنيسة.” وقالت لينا بصوت خجول: “نسيت أنني بدون من يعلم الأطفال الترتيل، ما كان صوت الكنيسة ليخرج بهذا الجمال.” وأقر سليم: “كنت أظن أن خدمتي هي القرب الأكبر من الله، ولكن بولس الرسول يقول أن الأعضاء التي نعدها أضعف هي لا غنى عنها.”
وقال جورج، الذي نادراً ما يتكلم، بكلماته البسيطة: “أنا أحب الكنيسة كبيتي. عندما أصلح سلكاً أو صنبوراً، أشعر أني أحافظ على بيت العائلة. ولكن بيت العائلة لا يكفي أن تكون جدرانه سليمة، يجب أن يكون مليئاً بالحب والغناء والضحكة.”
عاد الأب أنطونيوس ليقرأ الخاتمة: “وَأَنْتُمْ جِسْدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَاداً. فَقَدْ أَقَامَ اللهُ فِي الْكَنِيسَةِ… لَيْسَ جَمِيعُهُمْ رُسُلاً، أَوْ أَنْبِيَاءَ، أَوْ مُعَلِّمِينَ. وَلَيْسَ لِجَمِيعِهِمْ قُوَّاتٌ، أَوْ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ، أَوْ أَلْسِنَةٌ. أَتَطْلُبُونَ الْعَطَايَا الْعُظْمَى؟ هَلُمُّوا أُرِكُمْ طَرِيقاً أَفْضَلَ.”
سألته إحدى السيدات: “وما هي الطريق الأفضل أيها الأب؟”
أجاب: “أن نحب بعضنا بعضاً. لأن الموهبة بدون محبة كالصنج يطن. المحبة هي التي تجعل عين الكنيسة تفرح ليدها، وتجعل الرجل تخدم الرأس بكل فرح. المحبة هي الرباط الكامل.”
عادوا في اليوم التالي إلى الكنيسة. لم تختفِ الاختلافات بينهم، لكن نظرتهم إليها تغيرت. صار صوت سليم في الترتيل لا ينفصل عن جهود من يعدون القاعة، وصارت دروس لينا تتضمن حكايات عن شجاعة الشباب في خدمة المحتاجين، وصار الشباب يحترمون حكمة الكبار وخبرتهم. وصار جورج، عند إصلاحه لمقعد مكسور، يسمع تسبحة من قاعة الصلاة، فيبتسم ويواصل عمله بخشوع.
لأنهم فهموا أخيراً. فهموا أنهم ليسوا تجمع أفراد كل له مشروعه، بل هم جسد حي واحد. كل عصب، وكل عضلة، وكل نفس تأخذ مكانها في سيمفونية مقدسة، قائدها الروح القدس، وغايتها واحدة: تمجيد الذي جمعهم في جسد واحد، برب واحد، وإيمان واحد، ومحبة واحدة تشد بعضهم إلى بعض، كالأعضاء في الجسد الواحد.




