كان الظلام يُرخي سدوله على المدينة، ونسيم بارد يهبّ من جهة البحر، حاملاً معه عبق الأتربة البلورية بعد يوم حارق. في غرفة ضيقة، تضيئها فتيلة زيت تتلوّى كأنها تتألم من وهجها الذاتي، جلس أليعازر وحيداً. أمامه، درج من ورق البردي، وقد بدأت حروف يونانية تظهر على صفحته الأولى كجنود منهكين يستعدون لمعركة أخيرة. كان يكتب، لكن قلبه كان أثقل من رمال الصحراء في عزّ الظهيرة.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يُحاول فيها أن يشرح سرٌّ كسر أقلامه مراراً. سرّ الكهنوت. سرّ ذلك اليد الذي تمتدّ من القدس إلى السماء، حاملة كلّ شهقة بشرية، كلّ دمعة لا يسمعها سوى الحجر. تذكر هرون، ذلك الرجل الذي اختاره الربّ من بين الشعب، ليقف في الهوة الرهيبة بين القدوس والخطاة. كم كان يرتعد حين يدخل إلى قدس الأقداس، والجرس الذهبي على هامته يُعلن كلّ خطوة كأنها حكم إلهي. كان كاهناً، لكنه قبل ذلك كان أخاً لهم، يحمل في أحشائه ذات الجوع، ذات العطش، ذات الخوف من الموت. يُقدم الذبائح عنهم، ثم يلتفت ليُقدم ذبيحة عن نفسه أيضاً، لأنّ نفس الضعف تشده إليهم وتفصله عن النور الذي يخدمه.
رفع أليعازر قلمه، وكتب: “فَكُلُّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ، مَأْخُوذٍ مِنَ النَّاسِ، يُقَامُ لأَجْلِ النَّاسِ فِي مَا لِلَّهِ، لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا”. توقف. سمع من بعيد صوت طفل يبكي، ونشيج أمّ تحاول تهدئته. هذا هو بالضبط. الكاهن ليس ملاكاً منفصلاً. إنه من ذلك النشيج، من ذلك البكاء. إنه يُقَدِّمُ عن خطايا الناس، لأنه يعرف، في أعماق أحشائه، ثقل الخطية ومرارة السقوط.
لكن قلبه كان ينبض نحو اسم آخر، لا يُجرؤ على ذكره إلا في صلاته الخاشعة. يسوع. كيف يُعقل أن يُقاسَم هو ذاك؟ كيف لرئيس الكهنة الحقيقي، ابن الله، أن يكون “مأخوذاً من الناس”؟ رأى أليعازر في ذاكرته وجه ذلك الرجل الناصري، تعبٌ عليه أثر السفر، عيون تلمع برحمة تُذيب الصخر، يديّ غلظتا من عمل النجارة تحملان خبزاً ليتكسّر للجموع. نعم، لقد أُخِذَ منهم. جاع كما يجوعون. بكى كما يبكون. توسّل في بستان جثسيماني، وعرقُه كان كقطرات دم، وهو يصرخ للذي يقدر أن يُخلّصه من الموت. لقد تعلم الطاعة، ليس كنظريّة يلقيها حكيم، بل كخمرة مرّة تُعصر في الحلق جرعة تلو الأخرى، من آلامه. نعم، من آلامه.
أغمض عينيه. اليد التي شُفيت من الرعشة، ألا تذكر لمسة ذلك الكاهن الذي لم يهرب من ألمها؟ القلب الذي انكسر ألف مرة، ألا يذكر صوت ذلك الراعي الذي لم يُسكّته بوعظ، بل شاركه صمته؟ هذا هو الكهنوت الجديد. كهنوت مبنيّ على ارتجافة بشرية اختبرها ابن الله نفسه. لم يأتِ ببرود القاضي، بل بدفء الشفيع. “قَادِرٌ أَنْ يَرْثِيَ لِلْجُهَّالِ وَالضَّالِّينَ، إِذْ هُوَ أَيْضاً مُحَاطٌ بِالضَّعْفِ”. محاط بالضعف. كأن الضعف نفسه صار هيكلاً يَسكُن فيه المجد.
لكنّ الناس… الناس يريدون معجزة دائمة. يريدون كاهناً بطلاً لا يتألم، لا يتردد، لا يصرخ في الظلمة. يريدون “معلّماً” يملأ أسماعهم حكمة، لا “طفلاً” يتغذى على لبن الألفة البسيطة مع الله. تنهد أليعازر. هم بعدُ يحتاجون إلى من يُعلّمهم الألف باء مرة أخرى، “كَرَسَائِلَ إِلَى أَطْفَالٍ”. يطلبون طعام الأقوياء، وهم بالكاد يقدرون على مضغ الخبز اليابس. النضج الروحي… كم هو طريق وعر. هو ليس تراكماً للمعرفة، بل تذوّقاً للألم المقدّس، للطاعة المُكتسبة، للتمييز بين الخير والشرّ من خلال جرحٍ يُلمس النقاوة فيصير نوراً.
كتب ببطء، كأن كلّ حرف يُكلّفه جهداً: “الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَثِيرُونَ صَارُوا بُطْلاً فِي السَّمَاعِ”. كم من سامعٍ يظنّ نفسه فاهماً، وهو لم يذق بعد مرارة الاعتراف بالجهل! الكهنوت الحقيقي يدعونا إلى أن نكون كهنة معه، أن نتعلم هذه اللغة الجديدة، لغة القلب المكسور الذي يشفع، لا لسان الفصيح الذي يدين.
استدار نحو النافذة الصغيرة. كان الفجر يقترب، يرسل خيوطاً بلون الرماد فوق أسطح المدينة النائمة. في هذا الصباح، سيقوم أناسٌ عاديون ليقدموا ذبائحهم الصغيرة: صبراً على مرض، عطاءً لفقير، صمتاً أمام ظلم. هم كهنة بمقدار ما يشاركون رئيس كهنتهم في آلامه. هو الذي دخل قدس الأقداس السماوي، لا بدمّ تيوس وعجول، بل بدمه الخاص، دم العهد الجديد الأزلي.
وضع القلم. لم تكن الكتابة قد انتهت، بل كانت قد بدأت للتوّ كصلاة في قلب القارئ. كان عليه أن يترك السطر الأخير مفتوحاً، كالستار في الهيكل الذي انشقّ، ليدع كلّ نفس تكمِل المسيرة بنفسها، من اللبن إلى الطعام القوي، من السماع إلى التذوّق، من إدراك ضعفها إلى الشجاعة في الاقتراب إلى عرش النعمة، حيث يجلس ذلك الكاهن الأعظم، الذي يفهم، لأنه جرّب.



