كانت سارديس القديمة تتنفس غبار المجد البائد. حجارتها الصفراء تحت شمس آسيا الصغرى المحرقة تحكي عن مملكة لم تعد، عن ذهب شحذته أيدي الغزاة حتى ضاع بريقه. وفي زاوية من زوايا المدينة، حيث يضيق الطريق وتعلو رائحة الزيتون المعصور، كان يجتمع حفنة من الرجال والنساء في غرفة علوية بسيطة. كانوا يسمون أنفسهم “كنيسة”. ولكن حتى الهواء داخل تلك الغرفة بدا ثقيلاً، مشبعاً ليس فقط بحرارة النهار بل بشيء أشبه بالركود.
كان كليمندس، الرجل الذي اعتاد الآخرون النظر إليه حين يفتح النقاش، يجلس صامتاً هذه الممرّة. نظرته كانت ثاقبة لكنها بعيدة، كما لو كان يرى من خلال الجدران إلى شيء لم يعد موجوداً. كانت السمعة تسبق هذه الجماعة الصغيرة: “أهل سارديس الأحياء”. لقد نجوا من الاضطهاد مرة، وبنوا اسمًا للثبات. ولكن كليمندس في ساعات الليل الوحيدة كان يشعر بالحقيقة تكمن في صدره كحجر بارد: الاسم كان صخرة ضخمة، لكن ما تحتها كان فراغاً. كانت الصلوات تقال، والترانيم تُرتّل، ولكن قلبه كان يدقّ بإيقاع رتيب، بلا نار، بلا ذلك الارتجاف الذي كان يشعر به في الأيام الأولى حين كان الإيمان مغامرة تجرف كل شيء.
ذات ليلة، بينما كان يرتب أوراقاً لخدمة اليوم التالي، خطرت له صورة غريبة: صورة بيدق خشبي في يد صانع ماهر. البيدق منحوت بدقة، وله مظهر الفارس، لكنه بلا حراك على رقعة الشطرنج. أهكذا كانوا؟ منحوتين بشكل التقوى، لكن بلا روح المبادرة، بلا حركة الحب المجنونة التي تدخل المعترك. تذكر كلمات قيلت لهم من قبل: “لك اسْمٌ أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيِّتٌ”. ارتعد. لم تكن الكلمات توبيخاً صارخاً، بل كانت تشخيصاً دقيقاً لوضع لم يجرؤ هو نفسه على تسميته. كان الموت هادئاً، مرتباً، مغطى بغطاء من النشاطات الطقسية.
***
على مسيرة أيام إلى الجنوب، كانت لاودكية تزخر بحياة مختلفة تماماً. كانت المدينة عقدة تجارية، غنية، واثقة من نفسها. صوفها الأسود الفاخر كان مطلوباً في كل الإمبراطورية، ومرهم عيونها الشهير يُعبأ في قوارير عاجية. وفي منزل فسيح يطل على السوق الرئيسي، اجتمع آخرون. كانت وجوههم تعكس رضاً عن الذات. تحدثوا عن بركات الرب، وعن ازدهار أعمالهم، وعن كيف أن إيمانهم لم يعقّهم عن الانخراط في الحياة. كان ثيودورس، تاجر الصوف، أكثرهم حماساً. “انظروا حولكم”، قال مرة وهو يشير بيد مملوءة بالخواتم إلى نوافذ المنزل الفاخرة، “ألسنا في نعمة؟ لقد بارك الرب أرضنا وأعمال أيدينا. نحن لسنا بحاجة إلى شيء”.
لكن أرملة هادئة تدعى صوفيا كانت تجلس في الزاوية، تخيط ثوباً بسيطاً. كانت تستمع، وكان قلبها يتألم بصمت. كانت تذكر أياماً سابقة، أيام الفقر والتواضع، حين كانوا يجتمعون في السراديب خوفاً، وكانت صلاتهم حارة كالشهادة. الآن، الصلاة أصبحت كلمات شكر جوفاء على ثروات لم يعدوا يشعرون أنهم يحتاجون معها إلى من وهبها. شعرت بالغثيان من الدفء الزائف في الغرفة. كانوا دافئين من الخارج، لكن من الداخل؟ كان هناك فقر لم يروه. فقر الروح، فقر الشوق، فقر الاعتراف بالحاجة. كانت تعرف في قرارة نفسها أنهم “بُؤْسَاءَ وَعَثَرَاءَ وَفُقَرَاءَ وَعُمْيَانَ وَعُرَاةً”. لكن من في هذه القاعة المزينة بالحرير كان يجرؤ على قول ذلك؟
***
بين سارديس النائمة ولاودكية المتغطرسة، كانت فيلادلفيا الصغيرة تصمد كقلعة صغيرة على تلة. لم تكن غنية ولا ذات مجد تاريخي. شعبها قليل، وقوتهم ضئيلة. اضطهدهم اليهود المتعصبون في المجمع مراراً، وحاولوا أن يغلقوا الأبواب في وجوههم. كان ديمتريوس، شيخ الجماعة هناك، رجلاً هادئاً ضعيف البنية، لكن عينيه كانتا تحملان صلابة غريبة. ليلة، بينما كانوا يصلون معاً، وهم يسمعون من بعيد صياحات الاستهزاء من خارج الباب، فتح ديمتريوس السفر القديم وقرأ: “هُوَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَاباً مَفْتُوحاً وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً”.
توقفت صوفيا (التي كانت قد زارتهم هرباً من اختناق لاودكية ليومين) عن تنهداتها. نظرت حولها. الغرفة فقيرة، الوجوه شاحبة من التعب، لكن كان هناك شيء ما. لم يكن قوة بشرية، ولا ثروة مادية. كان ثباتاً هادئاً. كان إيماناً بأن الباب مفتوح، حتى وإن بدت كل الأبواب الأرضية موصدة. كان ديمتريوس يعرف أنهم لم يحفظوا كلمة الرب بصورة كاملة – فمن يستطيع ذلك؟ – لكنهم لم يُنكروها. وهذه الكلمة نفسها هي التي كانت تمسكهم، كعمود ثابت في زلزال.
***
عادت صوفيا إلى لاودكية، لكنها لم تعد نفسها. كانت كلمات ديمتريوس تدور في رأسها: “الباب المفتوح”. في اليوم التالي للعودة، وقف ثيودورس في الاجتماع وهو يعلن عن تبرع سخي لترميم مكان الاجتماع. هتفت الحاضرون. لكن صوفيا وقفت، وصوتها مرتجف لكنه واضح: “أخي ثيودورس، نشكرك. ولكن قبل أن نرمم جدراننا، ألا يجب أن نرمم إدراكنا لحالتنا؟ أقرأ معي…” وبدأت تقرأ من الرسالة التي كانت تحفظها عن ظهر قلب الآن: “أَنْتَ قَائِلٌ: إِنِّي غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ”.
ساد صدمة في القاعة. لم يتحدث أحد بهذه الصراحة من قبل. رأى بعضهم في عينيها توهجاً حاراً، توهجاً لم يكن من ثروة الأرض. شعر ثيودورس، للمرة الأولى منذ سنوات، بنخز من البرد في قلبه الدافئ جداً. ربما كان ذلك الإحساس هو بداية الحقيقة.
وفي سارديس، في إحدى الليالي، نهض كليمندس من فراشه الذي لم يجد فيه راحة. خرج إلى السطح. كان القمر منيراً على أطلال القلعة القديمة. وتذكر بقية الكلمات التي كان يحاول أن يهرب منها: “اسْهَرْ وَثَبِّتِ الْبَاقِي الَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يَمُوتَ”. لم يكن الأمر يائساً تماماً. كان هناك “باقٍ” يمكن تثبيته. ربما لم تكن النار مشتعلة، لكن هناك جمرات لم تنطفئ تماماً تحت رماد الروتين. قرر أن يبحث عنها في الصباح. سيبحث عن ذلك الرجل الخجول الذي كان يزور المرضى في صمت، وعن تلك المرأة العجوز التي صلاتها كانت دائمًا همساً حاراً. سيجمع تلك الجمرات المتفرقة، لعله يستطيع، بنسمة من روح قدسها، أن يشعل منها شعلة صغيرة مرة أخرى.
كانت الريح تدور حول أعمدة سارديس، وتجرف غبار لاودكية الفاخر، وتصل إلى أبواب فيلادلفيا المتواضعة. وفي كل مكان، كانت الكلمات القديمة الجديدة تدق كجرس: “هَأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابِ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي”. لم يكن الطارق يبحث عن قصور تامة، ولا عن حصون منيعة. كان يبحث عن أذن تسمع، ويد تفتح، حتى ولو كانت ترتعش من الضعف أو تخجل من العري. كان يعد بعشاء، ليس مع الأقوياء المنتصرين، بل مع من يعترف بأنه جائع، ويفتح الباب.




