كان اليوم رابع أيام الشهر، وكان الهواء يحمل عبق الأرض بعد مطر خفيف. وقف أليآب بن حور أمام خيمة الاجتماع، وقلبه ممتلئ بشيء لا يستطيع تفسيره تماماً. لم يكن خوفاً، بل هي خشوع تملّكه كلما اقترب من هذا الموضع. بيده اليمنى قاد ثوراً صغيراً، فحلاً بلا عيب، جلده يلمع تحت نور الشمس الضارب. كانت عيون الحيوان الهادئة تلمح إليه بين الحين والآخـر، كأنه يسأله دون كلام.
جاء به إلى المدخل، إلى حيث يقف الكهنة في ملابس الكتان البيضاء التي تشبه السحاب في صفاء. تنفس أليآب بعمق. تذكر كلمات موسى التي تتناقلها الأسباط: “إن كان قربانه ذبيحة سلامة، إن قدم من البقر، ذكراً أو أنثى، فبلا عيب يقدمه أمام الرب”. كانت يدا الرجل تميل إلى الارتعاش الخفيف، فقبض أصابعه على الحبل الجلدي. هذه ليست المرة الأولى، لكن العادة لا تذهب بالرهبة. فالأمر ليس مجرد طقس، إنه لقاء.
وضع يده على رأس الثور، بكامل قوته، وأسند جبينه إلى الوبر الدافئ. همس بشفتين جافتين: “هذا عني… وعن بيتي”. في تلك اللحظة، شعر وكأن حملاً ثقيلاً ينتقل منه إلى الحيوان الهادئ. ثم أخذ السكين الحادة من كاهن وقف إلى جانبه. صعدت رائحة المعدن والخشب والتراب المبلول.
أمرّ النصل على الرقبة بدقة، في حركة واحدة واثقة علمها منه أبوه، وأبوه من أبيه. ارتفع صوت حفيف غريب، ثم سيل دافق قرمزي. قبض الكاهن على الدم في طست من نحاس أصفر. كان لون الدم يختلف تحت الشمس، أحمر عميق يكاد يكون أزرقاً في الظل. رش الكاهن الدم على المذبح من كل الجوانب، وسال بعضه على الأرض فامتزج بالتربة، صار جزءاً منها.
بدأ العمل الدؤوب الآن. ساعد أليآب الكاهن في سلخ الجلد الثقيل، الذي انفصل عن اللحم بصوت مكتوم. ثم جاء فصل الدهن. هنا تتجلى الدقة. وضع الكاهن أصابعه داخل الجوف، وكانت يداه ماهرتين كخياطٍ بارع. أخرج الكلية وطبقة الشحم التي عليها، والشحم الذي على الأمعاء، والكبد، وخاصرة الدهن. وضعها كلها في صحن. كانت هذه الأجزاء تلمع بلون أبيض عاجي، نقي، منفصل عن اللحم الأحمر.
“الدهن للرب”، قال الكاهن بصوته الخشن. كان هذا هو السر. ليس اللحم كله، بل الدهن النقي، الذي يذوب وينصهر في النار، يصعد دخانه كرائحة سرور. أخذ الكاهن القطع البيضاء ووضعها على الحطب المرتب فوق المذبح النحاسي. كان الحطب من الأرز والزيتون، معقوداً بعضه فوق بعض مثل عش غريب.
أشعل النار. في البداية، لسان صغير أزرق، ثم امتد كأنه لغة تتذوق الهواء. التهمت اللهب الشحم الأبيض، فاشتعل بسرعة، بصوت فحيح خفيض. ارتفع الدخان، ليس أسود ثقيلاً، بل دخاناً أبيض مائلًا للزرقة، رائحته ليست كرائحة لحم محترق، بل كانت رائحة ثقيلة، حلوة، كرائحة الخبز الممزوجة بعطر لم يعرفه أليآب من قبل. هي رائحة السلامة.
ظل أليآب واقفاً هناك، حتى صار الشحم رماداً أبيض ناعماً، يلمع تحت الجمر. كان شعور السلام قد نزل عليه كالمطر الناعم. لم يعد ذلك الثقل الذي حمله إلى هنا. نظر حوله. رأى وجوهاً أخرى تنتظر، مع غنم ومعزى. كلٌ يأتي بذبائحه، كلٌ يبحث عن السلامة نفسها. تذكر أن الكاهن سيأخذ صدر الذبيحة وكتفها لنفسه، وسيعود هو بأكثر اللحم ليأكل مع عائلته وجيرانه في الوليمة. ستكون ليلة احتفال. طعام مقدس، لأن جزءاً منه صعد إلى السماء.
بدأ يتقاطر الناس، وصارت الخيمة محاطة بهمهمات من الصلوات، ونيران متعددة، ورائحة واحدة متصلة. الشمس تميل نحو الغرب، وصار لكل شيء ظل طويل. أليآب لم يعد وحيداً في رهبته. كان جزءاً من جماعة واقفة أمام النار، تشهد كيف أن الحياة تُعطى، وكيف أن الدهن يتحول إلى دخان، وكيف أن الدم يراق ليُذكر بالعهد. ليس بالموت وحده، بل بالحياة التي تخرج من الموت.
مشى عائداً إلى خيمته، ورائحة الدخان الحلوة عالقة بثيابه. ستظل معه أياماً. وهي ليست رائحة احتراق، بل رائحة لقاء. كان الرب قد رسم لهم طريقاً إلى حضرته، طريقاً من لحم ودم ودهن ونار. طريقاً يقول، دون كلام: تعالَ كما أنت، واذهبَ سالماً.




