كان الليل في طيبة كتمة ثقيلة، كأنما الهواء نفسه قد تحول إلى زيت غليظ يتصبب في شوارع المدينة الفسيحة. لم تكن ظلمة عادية، بل ظلمة تشي بحدث هائل يتربص خلف حجاب الزمن، ظلمة أعمق من غياب القمر والأنجم. في قصر فرعون، حيث كانت أضواء المصابيح الزيتية ترقص على جدران القاعات المزينة باللازورد والذهب، كان موسى يقف أمام عرش الملك. لم يكن وقوف خضوع، بل وقوف نبي عرف أن كلمة ربه هي النهاية والبداية.
كان وجه موسى يُقرأ عليه تعب رحلة أربعين عاماً، وتعب سنوات المواجهة هذه. لكن في عينيه لهيب صامت، لهيب الشاهد على العليّ القدير. قال كلماته، وكان صوته هادئاً لكنه قطع حفيف مروحات الخدم وصمت الحاشية كالسيف: “هكذا يقول الرب: ‘نحو منتصف الليل، أخرج في وسط مصر. فيموت كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التي خلف الرحى، وكل بكر من البهائم'”. لم يضف موسوة تهويلاً، فالتهويل كان في الوصف نفسه. كان الواقع الموعود أكثر رهبة من أي بلاغة.
رنّت الكلمات في القاعة الفسيحة. نظر الحاضرون إلى فرعون، الذي جلس متصلباً على عرشه، عيناه تضيقان كشُقَتَيْ سكين. كان الغضب والكبرياء يحاربان شيئاً آخر في أعماقه، ربما ذاك الخوف الغريزي الذي يشعر به الطاغية عندما يلمس أن سلطته لها حدود. لكن فرعون هز رأسه، وأغلق الباب الأخير للرحمة. لم يقل كلمة. كان صمته جداراً.
خرج موسى من أمامه، والمشاعل تنير طريقه في الأفنية الخارجية للقصر. نظر إلى السماء، حيث غطى سحاب كثيف النجوم. تذكر نعمة الرب التي ستُميّز في تلك الليلة بين بيوت مصر وبيوت بني إسرائيل. الاختلاف لن يكون في الحجارة والطين، بل في الدم على القائمتين والعتبة العليا. دم خروف الفصح، ذاك الذبح المتواضع الذي سيصبح حصناً ضد الملاك المهلك. مشى موسى وعيناه تدمعان، ليس خوفاً، بل حزناً على من رفضوا التحذير حتى النهاية.
في بيوت العبرانيين، في منطقة جاسان، كان الجو مختلفاً. كان هناك خوف أيضاً، لكنه خوف مختلط برجاء عجيب. كانت النساء تطحن الشعير بسرعة، والرجال يربطون حملان السنة باحترام. كان الأطفال يسألون في صمت، يلمسون خيوط الصوف الأبيض على ظهور الحملان، ويشعرون بجدية الأبوين غير المعتادة. كانت التعليمات تُتلى بصوت مرتجف: “خذوا حزمة زوفى واغمسوها في الدم الذي في الطست، واضرّبوا العتبة العليا والقائمتين بالدم”. كان العمل بسيطاً، طقسياً، لكن كل حركة فيه كانت تشي بثقة عمياء بوعد الله. كان الدم رمزاً للذبيحة، للفداء، للحماية التي لا يستحقونها لكنها تُمنح لهم بالنعمة.
في تلك الأثناء، في بيوت المصريين، حتى في بيوت الخدم والحاشية الذين كانوا قد بدأوا يخافون من كلام موسى، كان هناك شعور غامض بالكارثة. كانت الأمهات تضمّن أبناءها البكور في نومهم، وتنظر إلى وجوههم الصغيرة في ضوء المصباح الخافت، وتسأل نفسها: “أيمكن أن يكون هذا صحيحاً؟”. ولكن النظام العالمي لفرعون، نظام الآلهة المتعددة والسحر والسلطان المطلق، كان لا يزال يبدو أكثر واقعية من تهديدات إله العبيد. فدفنوا خوفهم تحت وسادة الروتين والإنكار.
أما موسى، فقد اجتمع بشيوخ إسرائيل أخيراً خارج المخيم. وأمام وجوههم القلقة، أعلن أمراً لم يسمعوا مثله من قبل: “في هذه الليلة، لا يخرج أحد من باب بيته حتى الصباح”. كان الأمر غريباً. الحماية مشروطة بطاعة. الأمان ليس في رؤية الخلاص، بل في الثبات تحت علامة الدم. ثم أضاف كلمات ستتردد في أذهانهم للأجيال: “والرب يجتاز ليضرب مصر، ويرى الدم على العتبة العليا والقائمتين، فيعبر الرب عن الباب، ولا يدع المُهلك يدخل بيوتكم ليضرب”.
عاد موسى إلى مخبئه المتواضع. جلس على حصير من القش، وأطفأ المصباح. في الظلمة، استمع إلى أصوات الليل. صمت مصر كان صمتاً مرهقاً، كالصمت الذي يسبق انفجار البركان. كان يعلم أن هذه هي الضربة التي لا عودة بعدها. ليست ضربة برد أو جليد أو جراد يمر ويذهب. هذه ضربة تمسّ قدسية الحياة نفسها، تمسّ الابن البكر، الأمل والمستقبل والفرح. كان الرب يستعيد أولاده، كما طالب فرعون من قبل: “من هو الرب حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل؟”. الآن سيعرف.
وبينما كانت ساعة منتصف الليل تقترب، كان الهواء يصير أكثر ثقلاً. في قصر فرعون، في البيوت الفخمة وفي الأكواخ الطينية، نام البكور. نومهم كان كأي نوم، بعضهم متناثر على فراشه، وبعضهم غارق في أحلام الصبا. لم يكن هناك رعد، ولا برق، ولا صوت يشي بالمجئ. فقط، في لحظة ما، مرّت نسمة باردة مفاجئة في كل أرجاء مصر، كأنما الباب بين العالمين قد انفتح قليلاً ثم أُغلق.
ثم انطلق الصراخ.
لم يكن صراخاً من مكان واحد، بل كان نشيجاً مرعباً ارتفع من كل مدينة، كل قرية، كل بيت مصري. من غرفة نوم فرعون نفسه، حيث انطلق عويل حاشيته باكتشاف ابن الملك البكر جثة باردة دون جرح. إلى بيت أصغر خادم في الحقل، حيث وجدت الأم ابنها الأول لا يستيقظ. كان الصوت جماعياً، مزمجراً من الأعماق، صوت أمة تكتشف أن آلهتها صماء، وسلطانها عاجز، ومستقبلها قد ذبح في فراشه.
أما في بيوت بني إسرائيل، فكان الصمت. صمت ثقيل، مذهول. كانوا يسمعون الصرخات البعيدة تصلهم كهدير بحر هائج. كان الأبوان يجثوان على ركبتيهما، والأطفال مزدحمون حولهما، عيونهم واسعة من الفزض. وكان الدم على العتبة، ذلك الخط الأحمر القاتم في ضوء الفجر الباكر، يشهد أن الموت قد مرّ من هنا، ولكنه لم يدخل. لقد عبر.
وعند الفجر، لم تكن هناك حاجة لنداء. فقبل أن تشرق الشمس، أرسل فرعون وهو جالس بين حاشية مشتتة، وجوههم ممزقة بالحزن والذل، يدعو موسى وهارون. وقال لهما كلمات كانت مرة كالعلقم: “قوموا اخرجوا من وسط شعبي”. ثم أضاف طلباً أخيراً، ينمّ عن انكسار كبرياء مطلق: “اذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم. خذوا غنمكم وبقركم كما تكلمتم واذهبوا”. بل وطلب شيئاً لم يطلبه موسى من قبل: “وباركوني أيضاً”.
خرج موسى وهارون من القصر للمرة الأخيرة. في الشوارع، كانت المدينة تبدو كأنها بعد طوفان. وجوه بلا دماء، عيون حمراء من البكاء، أصوات مبحوحة من العويل. كان نحيب مصر يصعد إلى السماء. حتى الحيوانات كانت تئنّ، كما لو شاركت في الخسارة. والتفت موسى نظره نحو الشرق، حيث كانت تخيم قبائل شعبه. كان الطريق إلى البرية، إلى الحرية، إلى جبل الله، قد فُتح أخيراً. لكنه علم أن الحرية التي تبدأ بليلة من الرعب والأحزان، ستكون طريقاً طويلاً في قلب صحراء لا ترحم. وكان يعلم أيضاً، وهو يسمع ذلك النحيب الخافت الذي يحمله النسيم، أن ذكرى هذه الليلة ستلاحقهم وتلاحق فرعون، حتى في قاع البحر الذي ينتظرهم جميعاً.




