الكتاب المقدس

نسيان العهد وصراخ التوبة

بعد سنوات السلام التي عاشها إسرائيل في ظل قيادة تولاع وياير، استقرت الأمور نوعاً ما، ولكن قلوب الناس تميل بطبعها إلى النسيان. مات ياير ودفن في قمون، وبدأت الذاكرة تتلاشى، كالطلقة المنحوتة على صخرة تتبدد حوافها ببطء تحت المطر والرياح.

لم تعد حكايات الخروج من مصر، وعبور البحر، وانتصارات يشوع، تتردد على ألسنة الآباء لأبنائهم في عتمة المساء. بدأ الهدوء الطويل نفسه يبدو وكأنه حق مكتسب، وليس نعمة مستحق الشكر عليها. وهكذا، كما يحدث كثيراً، عندما يبتعد الخطر، تبدأ الروح بالتراخي. أخذ العيون تتطلع إلى جيرانهم، إلى الأمم المحيطة، فرأوا عاداتهم وطقوسهم الوثنية. بدا للبعض أن تلك الآلهة، تلك “البعليم” و”عشتاروت”، هي سر قوة الأمم وثرواتها. نسيوا أن القوة الحقيقية كانت في العهد، في الوفاء لإله آبائهم.

فبدأ الانزلاق، خفياً في البداية، كسحابة صغيرة على أفق بعيد. تركوا الرب وعبدوا البعليم وعشتاروت، وآلهة آرام وآلهة صيدون وآلهة موآب وآلهة بني عمون وآلهة فلسطين. كأنما أرادوا أن يجمعوا حول موائدهم كل آلهة الأرض، طمعاً في رضى لا ينقطع. أما الرب، إله آبائهم، الذي أخرجهم من أرض العبودية، فتركوه وحدَه. تخلى عن ذلك الصوت الداخلي الذي ينذرك قُبل الهلاك.

فحميت غيرة الرب عليهم. لم يعد يحميهم من أنفسهم. فأسلمهم ليد الفلسطينيين ويد بني عمون. فذلّوا وانسحقوا تحت وطأة هؤلاء الأعداء ثماني عشرة سنة، كلها، كل الذين كانوا في عبر الأردن، في أرض الأموريين التي في جلعاد. وكان بنو عمون يعبرون الأردن ليحاربوا يهوذا وبنيامين وبيت أفرايم أيضاً، فشددت ضيقة إسرائيل جداً.

في تلك السنوات، كان الألم هو المعلم. اختبروا مرارة العبودية من جديد، وخوفاً يقطع الأنفاس كلما سمعوا وقع حوافر خيل العدو. رأوا حقولهم تُحرق وكرومهم تُدمر وبنيهم يُسبون. وصار صراخهم، أخيراً، موجهاً إلى المكان الصحيح. نادوا الرب وقالوا: “أخطأنا إليك لأننا تركنا إلهنا وعبدنا البعليم”.

فقال الرب لبني إسرائيل: “أليس من المصريين والاموريين وبني عمون والفلسطينيين خلصتكم؟ وإذا كان الصيدونيون والعمالقة ومعون قد ضايقوكم، وصرختم إلي، لم أخلصكم من أيديهم؟ لكنكم تركتموني اليوم وعبدتم آلهة أخرى، لذلك لا أعود أخلصكم. اذهبوا اصرخوا إلى الآلهة التي اخترتموها، هي لتخلصكم في زمان ضيقتكم”.

فقال بنو إسرائيل للرب: “أخطأنا. افعل بنا كل ما يحسن في عينيك. إنما أنقذنا هذا اليوم”. فتنحوا عنهم الآلهة الغريبة التي كانوا يعبدونها، وعبدوا الرب. فتلّقت نفسه انزعاجهم، لم يعد يحتمل شقاء إسرائيل.

وفي تلك الأثناء، اجتمع بنو عمون ونزلوا يحاربون في جلعاد. فاجتمع رجال جلعاد في مكان واحد. وقال شعب جلعاد، رؤساؤهم وكهنتهم المتخبطون في الخوف: “من هو الرجل الذي يبدأ بالحرب ضد بني عمون؟ نجعله رأساً لجميع سكان جلعاد”. وكانت المشكلة أن لا بطل يظهر، لا أحد يملك الجرأة ليتقدم.

لكن الرواية، كما نعرف، لا تنتهي هنا. كانت البذرة قد زُرعت، وكان الدعاء الصادق قد صعد. والاستجابة، رغم كل شيء، كانت في الطريق.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *