الكتاب المقدس

المرأة الشونمية وابنها المُعاد

كان النهار يميل نحو الغروب، وكانت غيمة الغبار الذهبية تعلو الطريق المؤدي إلى شونم. في بستان التين الكائن على حافة القرية، جلست امرأة، اسمها لم يذكره الكتاب، ولكن أهل المنطقة كانوا يدعونها “المرأة المحسنة”. كانت تنظر إلى الطريق بانتظار، كما تفعل كل أسبوع تقريباً. لم تكن تنتظر قافلة تجارية، ولا غائباً من أهلها، بل كانت تنتظر رجلاً من عند الله.

كان أليشع النبي يمر من تلك الطريق في رحلاته بين الجبل والمدن. ولطالما لاحظت المرأة، مع زوجها الكبير في السن، وقارَ هذا الرجل المتواضع في مظهره، العظيم في هدوئه. قالت لزوجها ذات مساء، بينما كانا يتناولان طعام العشاء تحت شجرة الزيتون: “أرى أن هذا رجل الله مقدس، يمر علينا دائماً. دعنا نصنع له علّيّة صغيرة على السطح، ونضع له فيها سريراً وطاولة وكرسياً ومنارة، فإذا جاءنا يمكن أن يحل فيها”.

وهكذا كان. بنيا غرفة صغيرة من الحجارة الملساء، وسقفاها بخشب الجميز، وفرشاها بحصير نظيف وبساط صوفي بسيط. ووضعا فيها سريراً من خشب الزيتون، وطاولة صغيرة، وكرسياً، ومنارة من الفخار تملأ زيت الزيتون العطري. أصبحت هذه العلّيّة ملاذاً لأليشع في ترحاله، مكاناً للراحة والصلاة.

وفي إحدى المرات، بينما كان أليشع مستلقياً في الغرفة هادئ النفس بعد يوم طويل، دعا غلامه جيحزي وقال له: “ادعُ لي هذه الشونمية”. فجاءت المرأة ووقفت باحترام عند باب الغرفة. سألها أليشع: “قل لي، أطلب لكِ شيئاً إلى الملك أو إلى رئيس الجيش؟” ولكنها أجابت بهدوء الواثق بربه: “أنا ساكنة بين شعبي. لا حاجة لي بذلك”. إنما كانت حاجتها الحقيقية تختبئ في صمت قلبها، وفي نظراتها الحزينة أحياناً وهي ترى الأطفال يلعبون في الساحة.

انصرف أليشع يفكر، ثم قال لجيحزي: “ماذا نصنع لها؟” فأجاب الغلام: “حقاً إنه ليس لها ابن، وزوجها شيخ”. فهم أليشع. فأمر جيحزي أن يدعوها مرة أخرى. فلما وقفت عند الباب، في ضوء المنارة الخافت، قال لها النبي بكلمات وعد إلهي: “في هذا الوقت نفسه، في الحول القادم، تَلمِذِين ابناً”. فارتسمت على وجهها الدهشة، ثم الفرح، ثم الخوف. صرخت بصوت مخلخل بالعاطفة: “لا يا سيدي، رجل الله، لا تكذب على أمَتِكَ”. ولكن الوعد تحقق. بعد حول، وفي وقت الربيع، عندما كانت أزهار اللوز تملأ بستانها، وضعت المرأة ابناً، وكان وجهها يشع بنور الأمومة التي طالما حلمت بها.

كبر الصبي، وشبّ قوياً، يرعى مع أبيه في الحقول. وفي أحد أيام الحصاد، بينما كان مع الحصادين تحت شمس الظهيرة، اشتكى فجأة من رأسه: “رأسي، رأسي!” فأمسكه أبوه بقلق، وأمر أحد الغلمان أن يحمله إلى أمه. حملته الأم على حجرها في الظل، وهي تهمس بكلمات المواساة، ولكن الصبي لم يتحسن. ظل حتى الظهيرة، ثم فارق الحياة بين ذراعيها.

لم تصرخ، لم تشق ثيابها. كان حزنها أعمق من أن يعبر عنه بالضوضاء. حملت جسد ابنها الصغير، وصعدت به إلى العلّيّة، إلى الغرفة التي بناها للنبي. أضجعته على سرير رجل الله، وأغلقت الباب خلفها. ثم نزلت ونادت زوجها: “أرسل معي أحد الغلمان وأتاناً، لأني أسير إلى رجل الله وأرجع”. سألها زوجها مستغرباً: “لماذا تذهبين إليه اليوم؟ ليس اليوم رأس الشهر ولا السبت!” فأجابت بإيجاز يحمل سراً مؤلماً: “سلام”.

ركبت الأتان وسارت بسرعة، والغلام يعدو خلفها. قطعا المسافة إلى جبل الكرمل حيث كان أليشع. ولما رآها النبي من بعيد، قال لغلامه جيحزي: “هوذا تلك الشونمية. أركض للقائها وقل لها: أسلام لكِ؟ أسلام لزوجكِ؟ أسلام للولد؟” فلما قابلها جيحزي وسألها، أجابت بإصرار: “سلام”. ولكن سلامها كان كلمة تقال، وليس حالة تشعر بها.

ولما وصلت إلى أليشع، أمسكت برجليه وانحنت. فانزعج جيحزي ليصدها، ولكن أليشع قال: “دعها، لأن نفسها مرّة فيها، والرب أخفى عني، لم يخبرني”. عندها انطلقت المرأة بكلمات محشوة باللوعة والأسى: “هل سألتُ من سيدي ولداً؟ ألم أقل: لا تخدعني؟” فهم أليشع الكارثة فوراً. قال لجيحزي: “تقلد حقويك، وخذ عصاي في يدك، واذهب. إذا لقيت أحداً فلا تسلم عليه، وإذا سلم عليك أحد فلا ترد عليه، ووضع عصاي على وجه الصبي”. لكن الأم تعلق بثوب النبي وقالت بإيمان عجيب: “حيّ هو الرب وحيّة هي نفسك، أني لا أتركك”. فنهض أليشع وسار وراءها.

سبقهما جيحزي، ووضع العصا على وجه الصبي كما أمر، لكن لا صوت ولا مجيب. عاد ليستقبل سيده ويقول: “لم يستيقظ الغلام”.

ودخل أليشع البيت، فإذا بالصبي ميتاً، مضطجعاً على سريره. أغلق النبي الباب على الاثنين، وصلى للرب. ثم اقترب من الصبي، وضّط على فمه فمه، وعلى عينيه عينيه، وعلى كفيه كفيه، وتمدّد عليه. فبدأ جسد الصبي بالدفء تدريجياً. ثم قام أليشع وتمشى في البيت مرة وأخرى، ثم عاد وتمدّد على الصبي. فعطس الصبي سبع مرات، وفتح عينيه.

نادى أليشع جيحزي: “ادعُ هذه الشونمية”. فلما دخلت، قال لها النبي بصوت هادئ كنسيم الجبل: “احملي ابنكِ”. فدنت، وخرت على قدميه ساجدة، ثم أخذت ابنها الحيّ، وحملته بين ذراعيها، ونزلت من العلّيّة، وقلبها يسبح للرب الذي يسمع صلوات اليائسين، ويحيي الموتى بكلمته.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *