الكتاب المقدس

محاكمة بولس أمام فستوس وأغريباس

كان الجو في قيصرية ثقيلاً بلُغَام البحر المتوسط المالح، وحاملاً في ثناياه عبقَ سياسةٍ باليةٍ وصراعاتٍ دينيةٍ لم تهدأ. فِسْتُوسُ، الوالي الجديد، كان رجلاً عملياً بوجهٍ مُجعدٍ من هموم الإدارة، وعينين تفتشان عن الاستقرار أكثر مما تفتشان عن الحقيقة. كانت أولى مهماته معالجة قضية ذلك السجين الغريب، اليهودي المُتعلِّم الذي كان يشغل بال الجميع: بولس.

كان بولس، رغم القيود، يحمل هيئةً لا تُخلو من وقار. عيناه كانتا تشعان بنورٍ غريبٍ، كمن يرى ما وراء جدران الزنزانة الرطبة. لقد قضى سنتين في الحجز تحت حكم الوالي السابق، فيلكس، الذي تركه مُقيَّداً رغبةً في استرضاء اليهود، دون برهانٍ على الجرم المزعوم.

وبعد أيام قليلة من وصول فستوس إلى المُقاطعة، صَعِدَ رؤساء الكهنة وَوجوهُ اليهود من أورشليم إلى قيصرية، حاملين معهم شكاواهم القديمة المُحكمة، والعداء الشخصي الذي تفوح رائحته كالنِّتَن. وقفوا أمام منصة الوالي، وألقوا باتهاماتٍ خطيرةٍ ولكنها غائمة: “هذا الرجل مُفسدٌ، يهيج الفتن بين جميع اليهود في المسكونة، وهو رئيسٌ لطائفة الناصريين. وحاول أن يُنجِّس الهيكل!” كلماتٌ ملتهبةٌ، لكنها تفتقر إلى الدليل القاطع.

فأجاب فستوس، برغبةٍ ظاهرةٍ في استمالة اليهود، مُعلناً استعداده لنقل المحاكمة إلى أورشليم. كان يريد أن يُغلق الملف بسرعة. ولكن بولس، واقفاً في مكانه، رفع صوته الهادئ الثابت، الذي اخترق ضجيج القاعة: “إِنِّي وَاقِفٌ دِينَ قَيصَرَ. أَنَا لَمْ أُذْنِبْ بِشَيْءٍ إِلَى الْيَهُودِ، كَمَا تَعْلَمُ أَنْتَ أَيْضاً جَيِّداً. فَإِنْ كُنْتُ قَدْ أَسَأْتُ أَوْ صَنَعْتُ شَيْئاً يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ فَلَسْتُ أَسْتَعْفِيَ مِنَ الْمَوْتِ. وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِوُجُودِ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيَّ هؤُلاَءِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يُنْعِمَ عَلَيَّ بِهِمْ. إِلَى قَيصَرَ أُنَاشِدُ!”

ساد صمتٌ مُطبق. كلمة “قيصر” كانت تملك قوة سحرية، فهي تنتزع القضية من يد الحكام المحليين وترفعها إلى أعلى سلطة في الإمبراطورية. نظر فستوس إلى مستشاريه، ثم إلى وجه بولس المُصمم. لقد حَوَّلَ هذا السجين المُحنَّك الطاولة. بعد مشورة وجيزة، أجاب فستوس بصوتٍ رسمي خالٍ من العاطفة: “إِلَى قَيصَرَ ناشَدْتَ؟ إِلَى قَيصَرَ تَذْهَبُ.”

وبمرور الأيام، زار الملك أغريباسُ، مع أخته برنيكي، قيصرية للترحيب بالوالي الجديد. وكان أغريباس عالماً بشؤون اليهود وعاداتهم، فاستغل فستوس الفرصة لعرض قضية بولس عليه. جلس الجميع في قاعة الاستقبال الفسيحة، حيث تتدلى الأقمشة الفاخرة على الجدران، وتعبث نسيمات البحر بشعور الخدم.

قال فستوس للملك، محاولاً أن يبدو عادلاً: “يوجد رجل تركَه فيلكس أسيراً. فحين كنت في أورشليم تشكى عليه رؤساء الكهنة وشيوخ اليهود، طالبين الحكم عليه. فأجبتهم أن ليس من عادة الرومان أن يُسلِّموا أحداً للهلاك قبل أن يحضر المُتَّهَم ويواجه مُشتكيه.” ثم اعترف بحيرة: “ولكن عندما اجتمعوا هنا، لم يقدموا أي تهمة من الشرور التي كنت أتوقعها. كانت لهم معه مُخاصمات حول دينهم، وعن رجلٍ مائتٍ اسمه يسوع، كان بولس يزعم أنه حيّ!”

كانت حيرة الروماني العملي بادية، عالقاً بين نُظُم القضاء التي يعرفها، وصراعات الإيمان الغريبة عليه. فقال أغريباس، بمزيج من الفضول والسلطة: “أود أن أسمع هذا الرجل بنفسي.” فاستجاب فستوس بترحاب: “غداً تسمعه.”

وفي اليوم التالي، دخل أغريباس وبرنيكي إلى قاعة الحكم بموكبٍ عظيمٍ وبهاءٍ مُلكي، مع قادة الألوف ووجوه المدينة. ثم أُدخل بولس، سجيناً بقيوده، ولكن هيئته كانت هيئة مُعلِّمٍ حر. فأذِن فستوس له أن يتكلم.

رفع بولس يده، وكان الصمت يلف المكان. لم يكن صوته صرخة مُحامٍ، ولا توسل سجين، بل كان حديث رجلٍ واثقٍ من قضيته، منادياً ملكاً: “أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ، أَحْسِبُ نَفْسِي غَبِيّاً لأَنِّي أَنْطِقُ الْيَوْمَ مُجَاهِراً بِجَمِيعِ مَا أُحَاكِمُ مِنْ أَجْلِهِ مِنَ الْيَهُودِ، وَلاسِيَّمَا وَأَنَا عَالِمٌ بِأَنَّكَ خَبِيرٌ بِجَمِيعِ الْعَوَائِدِ وَالْمُبَاحَثَاتِ الْيَهُودِيَّةِ.”

ثم انطلق يروي قصته، من نشأته الفريسية المُتشددة، إلى اضطهاده الأليم للكنيسة، إلى اللحظة المُفصلية على طريق دمشق، حيث ظهر له نورٌ من السماء، وصوتٌ غيَّر مسار حياته للأبد: “فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَا رَبُّ؟ فَقَالَ الرَّبُّ: أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ.” وروى كيف أُرسل ليكون شاهداً على ما رأى، ليُبشِّر لليهود والأمم بالتوبة والدعوة إلى النور.

كان بولس يستخدم الكلمات كسهامٍ من نور، مُستشهداً بأنبياء موسى، مُعلناً أن آلام المسيح وقيامته كانتا مُعلنتين في الكتب. فقاطعه فستوس بصوتٍ عالٍ، لا يستطيع فهم هذا الكلام الغيبي: “بُولُسُ، أَنْتَ تَهِذُّ! الْكِتَابُاتُ الْكَثِيرَةُ تُحَيِّرُكَ إِلَى الْجُنُونِ!”

فأجاب بولس بهدوءٍ عميق، مُوجِّهاً كلامه للملك: “لَسْتُ أَهْذُ، أَيُّهَا الْعَزِيزُ فَسْطُوسُ، بَلْ أَنْطِقُ بِكَلاَمِ الصِّدْقِ وَالصَّحْوِ. فَإِنَّ الْمَلِكَ الْعَزِيزَ يَعْرِفُ هذِهِ الأُمُورَ. إِذْ أَنَا أُكَلِّمُهُ مُطْمَئِنَّ النَّفْسِ. لِأَنِّي لَسْتُ أُصَدِّقُ أَنَّ شَيْئاً مِنْ هذَا خَفِيٌ عَنْهُ.”

ثم التفت إلى أغريباس مباشرة، وكلماته كانت تحمل تحدياً رقيقاً، ودعوةً شخصية: “أَتُصَدِّقُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ بِالأَنْبِيَاءِ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُصَدِّقُ!” فاضطرب أغريباس في موقفه، وخجل أن يُسجِّلَ إعلان إيمانه أمام الحشد الروماني، فقال بكلماتٍ تملص دبلوماسي: “بقليلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيّاً!”

فأجاب بولس، وكلماته الأخيرة تتردد في القاعة: “لَيْتَ اللَّهَ أَنَّكَ بِقَلِيلٍ وَبِكَثِيرٍ، لاَ أَنْتَ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ، يَصِيرُونَ مِثْلِي، إِلاَّ هذِهِ الْقُيُودَ!”

ثم نهض الملك والوالي والملكة، وانسحبوا للحديث على انفراد. وكان إجماعهم واضحاً: “هَذَا الرَّجُلُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ أَوِ الْقُيُودَ.” وقال أغريباس لفستوس: “كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُطْلَقَ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَاشَدَ قَيصَرَ.”

وهكذا، بينما كانت أشرعة السفن تُنَشَّر في ميناء قيصرية استعداداً للرحلة إلى الغرب، جرى ترتيب أمر إرسال بولس إلى رومية. لم تكن نهاية القضية، بل كانت فصلاً جديداً في رحلةٍ أطول. فبين قيود السجين وصخب البحر، كانت الكلمة تتحرك نحو قلب الإمبراطورية، حاملةً معها نوراً من طريق دمشق، لا تستطيع سلطةٌ أرضيةٌ أن تقيّده.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *