الكتاب المقدس

بريق المحبة في ظلام الكبرياء

كان الظلام قد أسدل ستاره الثقيل على القرية الصغيرة عند سفوح الجبل. في بيت متواضع من الطين والحجر، جلس الشيخ نعمان قرب الموقد الخافت، وجهه يعكس وهج الجمر المتأجج، لكن عينيه كانتا تنظران إلى ما هو أبعد من النار. كانت رسالة، مكتوبة على ورق خشن، ترقد بين يديه المهتزتين. كلمات من مدينة كورنثوس البعيدة، وصلته مع قافلة المسافرين. وكانت كلمات صديقه بولس تحترق في داخله أكثر من جمر الموقد.

لم يكن نعمان رجلاً جاهلاً. كان معلمًا محترمًا بين المؤمنين في قريته، يُجيب على الأسئلة المعقدة عن الناموس والنبوة، وكان صوته جهوريًا في المجمع أيام السبت. كان الناس يأتون إليه طلبًا للحكمة، وكان يعطيهم إياها، بلغة فصيحة مقنعة. لكن تلك الليلة، بينما كان يقرأ الكلمات، شعر كأن الأرض تنحسر من تحت قدميه.

*”إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة، ولكن ليس لي محبة، فقد صرت نحاسًا يطن أو صنجًا يرن.”*

تذكر خطبته الأخيرة في المجمع، كيف أدهش الحضور بفهمه لمعاني النبوآت، وكيف تلألأت الكلمات على لسانه كالجواهر. أحس عندها بالرضا، بل بالافتخار الخفي. الآن، تساءل: هل كان صوته مجرد دوي أجوف، كطنين النحاس، يملأ الأجواء ولكنه لا يملأ القلوب؟ نظر إلى يديه، اللتين باركتا كثيرين ووزعتا عطايا للفقراء. تذكر وجه الأرملة العجوز التي أعطاها كيس طحين الشهر الماضي، وكيف انشغل بالرد على سؤال لاهوتي من تلميذ بينما كانت تشكره، فلم ينظر في عينيها الحزينتين المتقدتين امتنانًا.

*”وإن كانت لي موهبة النبوة، وأعلم جميع الأسرار وكل علم، وإن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال، ولكن ليس لي محبة، فلست شيئًا.”*

أصابته الكلمات كصاعقة. الإيمان الذي ينقل الجبال! كم صلّى من أجل معجزات، وكم تحدث عن إيمان آبائه العظام. لكنه تذكر الجبل الصغير في قلبه: ذلك الغضب المكبوت على ابن جاره، سمعان، الذي خالفه الرأي في أمر زراعي بسيط. لأسابيع، كان يتجنب التحية الكاملة، ويختصر اللقاءات بأجوبة جافة. أين كانت محبته حينها؟ لقد امتلك إيمانًا نظريًا بعظمة، لكنه عجز عن نقل جبل الحقد الحقير في صدره.

انطفأت جمرة في الموقد مع صوت فرقعة صغيرة. نهض نعمان بتثاقل وفتح نافذة الغرفة الضيقة. كان الهواء البارد لليل الربيعي ينعشه. في الأفق، بدأ ضوء الفجر الأول يخترق سواد الليل، خيطًا رفيعًا من اللون الوردي والخوخي. وصعدت إلى أذنيه، من بعيد، أصوات الطيور الأولى التي تتدرب على ترنيمتها اليومية. كانت الحياة تستيقظ في هدوء، بدون ضجيج، بدون خطب بليغة.

عاد إلى مقعده، والرسالة ما تزال بين يديه. استمر في القراءة، وكأن الكلمات تنزف على الصفحة.

*”المحبة تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ.”*

كم مرة كان غير رفيق؟ تذكر التلميذ الشاب، ميخا، الذي كان بطيئًا في الفهم. كم كان صبره ينفد سريعًا، وكم كانت نبرة صوته تعلو محملةً بالاستعلاء الخفي: “ألم أشرح هذا من قبل؟” كان يحسد، في قرارة نفسه، الشيخ إلياس في القرية المجاورة، على ما يبدو من احترام أكبر له. وكان، في المجالس، يحرص على أن يذكر بإيجاز إنجازاته ومشوراته الناجحة، كي لا ينسى الناس فضله.

أغلق عينيه. الصورة كانت قاتمة. كل براعته، كل معرفته، كل نشاطه، بدا فجأة كصرح شامخ مبني على رمال متحركة. ما الفائدة من كل هذا إن لم تكن جذوره ممتدة في تربة المحبة الصافية؟

سمع صوت أقدام خفيفة خارج الباب. كانت ابنته الصغيرة، سارة، قد استيقظت. دخلت الغرفة وهي تحتك عينيها بالنعاس، ثم اقتربت منه وسقطت بجانبه، رأسها الصغير يستقر على ركبه دون كلمة. وضع يده على شعرها الكثيف الناعم. هذا الصمت، هذه الثقة البسيطة، كانت أشبع لقلبه من كل ثناء سمع.

قرأ الجزء الأخير، وهو يداعب شعر ابنته.

*”أما الآن فيثبت: الإيمان، الرجاء، المحبة، هذه الثلاثة. ولكن أعظمهن المحبة.”*

كانت الشمس قد بدأت تشرق الآن. ذهبية دافئة تملأ الغرفة، تطرد ظلال الليل وبرده. نظر نعمان إلى النور الذي كان يزحف على أرضية الغرفة الترابية، فجعلها تبدو كأنها من ذهب سائل. أدرك شيئًا للمرة الأولى. لطالما ظن أن الإيمان والرجاء والمحبة كأعمدة متماثلة، يقف الواحد بجانب الآخر. لكن الكلمات قالت “أعظمهن”. المحبة هي الأساس، هي الهواء الذي يتنفسه الإيمان ليبقى حيًا، هي الماء الذي يروي شجرة الرجاء كي لا تذبل.

لم تكن المحبة شعورًا عاطفيًا عابرًا، كما ظن في سذاجة. لا. كانت صبرًا يوميًا على نقائص الآخرين ونقائص نفسه. كانت لطفًا يختار الكلمة الطيبة حتى عند الحق في الجفوة. كانت تواضعًا يرى فضل الله في كل صلاح، ولا يرى فضل نفسه. كانت غفرانًا لا يحتفظ بجرح، حتى لو كان الجار سمعان.

قام من مقعده، وابنته نائمة الآن بسلام. وضع الرسالة جانبًا. اليوم كان يوم سبت، وسيكون هناك لقاء في بيت أحد الإخوة. كان الجميع ينتظرون تفسيره للقصة الجديدة من سفر اللاويين.

مشى إلى خزانة صغيرة، وأخرج درجًا خشبيًا بسيطًا. فيه بعض المخطوطات وأدوات الكتابة. لكنه أخذ منه شيئًا مختلفًا: كيس صغير من الجلد يحتوي على عملات فضية قليلة. كان يدخرها لشراء مخطوطة جديدة. أغلقه، ووضعه في طية ثوبه.

ثم خرج من بيته. كان الصباح في أوجه الآن، والدخان يتصاعد من المنازل، ورائحة الخبز الطازج تعبق في الأزقة الضيقة. لم يتجه مباشرة إلى بيت اللقاء. بل سلك طريقًا آخر، يقوده إلى حافة القرية حيث كان بيت سمعان.

وقف للحظة عند الباب الخشبي البسيط. تردد. كان صوت الكبرياء القديم يهمس في أذنه: “ماذا سيقول الناس؟ أنت الشيخ الحكيم تأتي معتذرًا؟” لكنه ذكر كلمات الرسالة: “لا تنتفخ”. قرع الباب.

فتح سمعان، وعلى وجهه نظرة دهشة مختلطة بالحذر.

لم يلقِ نعمان خطبة. لم يستشهد بنص من الناموس. فقط نظر إلى عيني جاره، ورأى فيها نفس التعب والوحدة التي كان يشعر بها ليلاً.

قال بهدوء، وكلماته بسيطة غير منمقة: “سلام لك يا سمعان. أخطأت في حقك. سامحني.”

لم يكن هناك بريق بلاغة، لا استشهادات مفخمة. كانت مجرد كلمات إنسان عادي، مثقل، يبحث عن مصالحة. لكن في تلك اللحظة، تحت شمس الصباح الدافئة، شعر نعمان بأنه لم يكن أبدًا أقرب إلى الحكمة الحقيقية، أو إلى الله، كما كان الآن. لأنه لأول مرة، بدأ يفهم، ليس بعقله فقط بل بكيانه كله، معنى أن تبني بيتك على الصخر. على صخر المحبة التي لا تسقط أبدًا.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *