الكتاب المقدس

سلام في العلية

كانت غرفة العلية تحتفظ بدفء النهار في حجارة جدرانها، لكن الهواء بين القليلين الجالسين فيها كان ثقيلاً، كزيت أُطفئ فتيله فترك دخاناً مُعلّقاً. كان بطرس يفرك راحة يديه بخشونة، وعيناه على الأرض المغطاة بحصير بسيط. توما كان يُحدّق في الشباك الصغير حيث بدأ لون السماء يتحول إلى درجات البنفسج، بينما كان فيليبُس يُعيد ربط شريط حذائه كما لو أن هذه المهمة تستحق كل تركيزه.

كان يسوع قد تكلّم كلمات ما زالت تدور في رؤوسهم كأجراس مكسورة: عن ذهابه، عن خيانة، عن إنكار. والآن، بينما كان الظل يُطيل نفسه في الغرفة، جلس بينهم، وركبتاه تلامس الأرض، ويداه مفتوحتان بهدوء فوقها. لم يكن ينظر إلى البعيد، بل إلى وجوههم واحداً واحداً، كمن يقرأ مخطوطة حزن مكتوبة على الجباه والعيون.

“لا تضطرب قلوبكم”، قال، وصوته لم يكن عالياً بل كان نقياً وواضحاً كالماء في جَرّة فخارية. “أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي أيضاً”.

رفع بطرس رأسه. كان يريد أن يقول شيئاً، أن يُقسم مرة أخرى على ولائه، لكن الكلمات علقت في حلقه. كان الخوف الذي يشعر به ليس خوفاً من الرومان أو رؤساء الكهنة، بل خوفاً من ذلك الفراغ الغريب الذي تنبأ به سيدهم: غيابه.

تابع يسوع، وكلماته تبدو وكأنها تبني غرفة جديدة حولهم، غرفة ذات أبواب غير مرئية. “في بيت أبي منازل كثيرة. ولو لم تكن لأعلمتكم. أنا أمضي لأعد لكم مكاناً، وإن مضيتُ وأعددتُ لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إليَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً”.

كانت كلمة “بيت” تتردد في أذن فيليبس. بيت. تذكر بيت طفولته في بيت صيدا، البسيط، ذا الغرفة الواحدة حيث كانت رائحة السمك المجفف وخبز الشعير تمتزج مع ضحكات إخوته. كيف يمكن أن يكون في بيت الآب مكان له، له هو، فيليبس، الصياد الذي لا يملك شيئاً؟

“يا سيد”، اندفع فيليبس فجأة، وكسر الصمت كمن يكسر عوداً يابساً. “أرنا الآب وكفانا!”

لم تكن المسألة شكاً، بل كان اشتياقاً محترقاً. إذا كان هذا الآب الذي يتكلم عنه المعلم هو مصدر كل هذا الحب الذي رآه في عيني يسوع، فهو يريده. يريده الآن، بكل وضوح الشمس التي كانت تغيب الآن.

فالتفت إليه يسوع، وكانت نظرة عينيه فيها شيء من حزن رقيق، كحزن أم ترغب في أن يفهم طفلها كلامها وهو بعد صغير. “كل هذه المدة وأنا معكم ولم تعرفني يا فيليبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب. فكيف تقول أنت: أرنا الآب؟ ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيَّ؟”

سكت فيليبس. لم يكن الجواب شيئاً جديداً يسمعه، لكنه الآن، في هذا الضوء الخافت، بدا وكأن الستار قد ارتفع فجأة. نظر إلى وجه يسوع، إلى يديه الممدودتين، إلى الطريقة التي جلس بها وهو يحمل تعب العالم كله على كتفيه دون أن ينحني ظهره. أكان هذا هو؟ أكان هذا هو الطريق إلى الآب نفسه؟ لقد كان الآب بينهم طوال الوقت، يتكلم بألفاظ بشرية، يغسل أقدامهم، يسمع أسئلتهم السخيفة بصبر.

وانسابت الكلمات من فم يسوع كجدول هادئ يروي أرضاً عطشى. تحدث عن محبة الآب، عن الوصايا التي هي ليست أحجاراً ثقيلة، بل علامات الطريق إلى تلك المحبة. وعدهم بأن لا يتركهم يتامى، بأنه سيعود إليهم. ثم قال كلمة غريبة وعجيبة: “سأطلب من الآب فيعطيكم مُعزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم”.

كان توما قد أدار وجهه من الشباك الآن. “روح الحق”. لم يفهم تماماً، لكن شيئاً في صوته، في وعده بأن يكون “فيـهم”، جعل ركض الدم في عروقه يبدو وكأنه يترنم بنشيد خافت. لم يعد الأمر عن مكان بعيد في السماء، بل عن حضور في الداخل، في ذلك المكان الخفي حيث تكون المخاوف والرجاءات.

“ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي”، قال يسوع، وكلماته كانت كالمفتاح الذي يدور في قفل صَدِئ فجأة فيفتح. “لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه”.

ارتفع هدوء عميق في الغرفة، لم يعد هدوء خوف، بل هدوء بذرة بدأت تنشق في تربة مظلمة. كان الظلام الخارجي قد اكتمل الآن، وأضاءت مصابيح الزيت الصغيرة وجوههم. نظر بطرس إلى يديه اللتين ستنكران سيده، وشعر، للمرة الأولى، بأن هناك رجاءاً حتى لتلك اليدين. لأن الوعد لم يكن للأبطال، بل لهم، للخائفين، للتائهين.

وكانت الكلمات الأخيرة كالغطاء الدافئ الذي يُلقى على أطفال منهوكين من طول السهر: “سلاماً أترك لكم. سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب”.

لم يكن السلام الذي يتكلم عنه هو غياب العاصفة. لقد كانت العاصفة قادمة، وكانوا يعرفون ذلك. لكنه كان سلاماً من نوع آخر، سلاماً كالجذر العميق الذي يثبت الشجرة بينما تهز الرياح كل أغصانها. سلاماً يكون في الداخل، حتى عندما ينقلب العالم في الخارج.

وبينما كان يسوع يكلمهم، بدا وكأن الغرفة نفسها، البسيطة، الفقيرة، قد امتلأت بنوع من المجد الخفي. كان مجداً لا يرصع بالذهب، بل بالحب. مجداً لا يصدر عن عروش مرصعة بالجواهر، بل عن قلب مكسور يعد بأنه سيكون معهم، دائماً، حتى انقضاء الدهر.

وعندما أنهى كلامه، لم يقل أحد “آمين”. بل جلسوا جميعاً في صمت ممتلئ. وكان الصمت نفسه هو التسببة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *