الكتاب المقدس

شاطئ النعمة والظلام الأبدي

كان البحر يئن تحت وطأة ريح شرقية حادة، تحمل معها عبق الملح وصراخ النوارس. جلستُ مع الشيخ بطرس في ظل شجرة تين عتيقة، على تلة مُطلة على الميناء. كانت يداه، المليئتان بالتجاعيد العميقة، تعبثان بقطعة من الحبل المتين، تلفها وتفكها كما لو كانت تسبحة صامتة. كان بطرس شيخًا طويلاً، هزيلاً، لكن عينيه كانتا تشعان بوهجٍ يعرف البحر وأعماق النفس البشرية على حد سواء.

قال وهو يحدق في الأشرعة البعيدة: “كثيرون يظنون أن الإيمان كالسفينة. تبحر، وربما تجنح أحيانًا، ويمكنك دومًا إصلاحها إذا نطحت صخرةً ما.” ثم أدار رأسه نحوي ببطء، وفي صوته حِدَّة المرة الممزوجة بحزن لا يُعبَّر عنه. “لكن هناك أمراً أخطر من الجنوح. هناك أن تصل إلى شاطئ النعمة، وتذوق طعم ماء الحياة العذب، ثم ترفضه وتعود إلى صحرائك طواعية. أن تلمس بيديك دفء النور، ثم تختار بملء إرادتك أن تعود لتجلس في برودة الظلام الأبدي.”

سكتَ طويلاً. سمعتُ صوت صفارة بحار بعيد، ونباح كلب. كانت رائحة الخبز الطازج تتصاعد من المدينة الواقعة تحت التلة.

“أتذكر رجلاً”، استأنف الشيخ، وصوته أخفض الآن، كأنه يهمس بسرّ مؤلم. “كان اسمه ديمتريوس. جاء إلينا قبل سنوات، بعد أن سمع الرسول يشرح الكلمة في السوق. رأيتُ التغيير بعينيَّ. لقد تخلَّى عن غضبه القديم، ذلك الغضب الذي كان كالنار الآكلة. صار يصلي معنا بخشوع، ويخدم الفقراء بحماسة تكاد تحرق من حولها. كان كأرضٍ جيدة شربت ماء المطر المتكرر… نبت فيها الشوك والحسك مرة، ولكنها الآن تنتج عشبًا نافعًا.”

حرك بطرس كتفيه وكأن ثقلاً ما يضايقه. “لكن ديمتريوس هذا… لقد ذاق. نعم، ذاق القوة الآتية، وشعر ببهجة الروح القدس، وصار جزءاً من الجماعة التي تشارك الخبز وتذكر الرجاء المنتظر. لقد كانت النعمة حاضرة في حياته كالشمس وقت الظهيرة.”

ثم حدثت الأزمة. اضطهاد بسيط، ليس أكثر من تهديدات من بعض تجار المدينة الأغنياء الذين شعروا بأن تعاليمنا تزعج تجارتهم. لم يكن هناك سجن أو تعذيب، فقط همسة خبيثة بأن ولاء ديمتريوس لقضيتنا الجديدة قد يغلق أمامه أبواب الرزق.”

توقف الشيخ وأخذ نفساً عميقاً. “وهنا، يا ابني، ها هنا تكمن المأساة التي لا تُحتمل. لم يُكره ديمتريوس على إنكار إيمانه. لقد وقف على الشاطئ، وقد ذاق حلاوة الماء، ثم نظر إلى الصحراء القاحلة وراءه وقرر، بملء إرادته، أن يعود إليها. لقد صلب في نفسه ابن الله من جديد، وعرضه للعار علانية. لقد حكم على نفسه بأنه غير قادر على التوبة. ليس لأن النعمة غير كافية، بل لأنه هو، في أعماق كيانه، رفض مصدر النعمة نفسه.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، رغم دفء الشمس. سألته: “ألم تحاولوا أن تعيدوه؟ ألم تطلبوا منه، أن ترشده؟”

ابتسم الشيخ ابتسامةً حزينة لا تصل إلى عينيه. “حاولنا. والله حاولنا. ولكن الأمر يشبه بذرة نبتت ونمت لفترة، ثم جفَّت من الداخل. يمكنك أن تروي الساق والأوراق، ولكن إذا ماتت الجذور، فما الفائدة؟ لقد أصبح قلبه أرضاً محرقة. الكلمات ترتد منه كحجارة. لقد وضع نفسه خارج دائرة النمو. هو لا يحتاج إلى أساسات جديدة – فقد بُنيت له من قبل – بل يحتاج إلى إعادة صلب المسيح، وهذا مستحيل. المأساة هي في أن الخيار كان خياره هو.”

رفع بطرس إصبعه نحو البحر الهادئ الآن. “انظر إلى تلك السفن. مرساة كل منها مثبتة في قاع البحر، في منطقة لا نراها. إيماننا مثل هذه المرساة. إنها تدخل إلى ما وراء الحجاب، إلى قدس الأقداس، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا. هذه المرساة هي رجاؤنا. هي ثابتة وراسخة. لكن ديمتريوس قرر أن يقطع الحبل. قرر أن تظل سفينته تتقاذفها الأمواح بلا مثبت ولا ملجأ.”

“فما هو رجاؤنا إذن؟” سألته، وصوتي يكاد يختنق.

التفت إليَّ، ولأول مرة رأيت بؤساً حقيقياً في عينيه. “رجاؤنا ليس في أن نكون بلا خطية. فنحن خطاة. رجاؤنا في أن نتمسك بذلك الحبل الذي يربطنا بالمرساة، مهما كانت العواصف. في أن ننمو. ليس أن نعيد البدايات كل يوم – أساس التوبة من الأعمال الميتة – بل أن نسير قدماً. نحو الكمال. نحن لسنا أطفالاً بعد، نحتاج أن نُعاد تعليمنا بكل بديهيات الإيمان. نحن مدعوون لأن نأكل طعام الكبار، طعام الجهاد والمحبة والخدمة التي لا تكل.”

نهض الشيخ ببطء، وئنّت مفاصله. “القصة المحزنة، يا ولدي، هي أن هناك من يفضل الجوع على الوليمة. هناك من يبيع بكورية النعمة بطعام واحد. ولكننا، نحن، لن نفعل ذلك. لأننا رأينا النور. لأننا ذقنا طعم الحرية. ولأن أمامنا رجاءً، كمرساة للروح، ثابت لا يتزعزع.”

نزلنا من التلة نحو المدينة. كانت أجراس كنيسة صغيرة تدق للصلاة. وأنا أمشي، شعرت بثقل كلمات الشيخ، ولكن أيضاً بوهج ذلك الرجاء الذي تحدث عنه. إنه ليس رخيصاً. إنه متين كحبل مرساة، قاسٍ أحياناً على اليدين، لكنه الوحيد الذي يربط السفينة الهشة بصلابة الصخر الأبدي.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *