لم أكن أعرف أنني نائم حتى وجدتُ نفسي ممزقاً من موضعي. ليس كالاستيقاظ، بل كمن يُسحب بمعصمه من غمار بحرٍ عميق إلى شاطئ لم يره من قبل. كان هناك صوت، لا كصوت البوق، بل كاهتزاز الكون نفسه نغمة واحدة مجلجلة. فإذا بي لا أقف على أرض، ولا أطير في هواء، بل كنتُ كقطرة ندى مُعلَّقة في شعاع شمس، والكل حولي هو النور.
أخذتُ أرى، وإن كان “الرؤيا” لفظاً ضعيفاً لا يصف ما كان. فلم تكن العين تنظر، بل كان الكيان كله يصير ناظراً. وظهر قبل العرش بحر زجاجيّ أشبه بالبلّور، ولكنه ليس جامداً، بل فيه حياة وحركة كأنه نهر متجمِّد في لحظة من لحظات المجد. وفوق هذا البحر، أو تحته، أو في وسطه – فقد تاهت عندي المفاهيم – كان العرش.
كيف أصف العرش؟ لو جمعت كل حكمة الأرض، وكل جمال طلعة الفجر، وكل رهبة الرعود في ليلة ظلماء، لما حصّلت إلا ذرة من حقيقته. كان له وجود يملأ الوجود، ليس بحجمٍ أو شكلٍ محسوس، لكنك تعلم أنه هناك كما تعلم أن في صدرك قلباً. ومنه ينبثق نور، ليس بأبيض ولا بأصفر، بل هو لون النور الأول الذي لم يسمّه البشر. ونورٌ آخر، أيسر وأنعم، يحيط به كالساتر، قوس قزح بألوان لا تُعد، تتهادى كأنها أنفاس.
وعلى العرش، الجالس. هنا تتوقف الكلمات وتخرس الألسن. لم أره، كما أنك لا ترى الريح ولكنك ترى سعف النخيل يخضع لها. رأيتُ مجده، والمجد هو حضوره. شعاع عظمة تُذوب الجبال، ولطفٌ يُحيي العظام اليابسة. كان الجلال والجمال يتعانقان حتى صار الخوف أمناً، والرهبة راحة.
وحول العرش أربعة وعشرون عرشاً أصغر، وعليها أربعة وعشرون شيخاً، يلبسون ثياباً بيضاء، وعلى رؤوسهم أكاليل من ذهب. وجوههم تحكي قصصاً لا تُحكى، عيونٌ رأت الخليقة منذ بدايتها، ووجوهٌ تعرف ثقل الزمان وخفة الأبدية. كانوا جالسين في خشوع، ولكن خشوع القوة لا الضعف، كجبال راسيات تعرف أنها تنتمي إلى الأرض التي فوقها السماء.
ومن العرش تخرج بروق ورعود وأصوات. ليست فوضى، بل سمفونية القضاء والحق. وسبع مصابيح نار تتقد أمام العرش، هي سبعة أرواح الله. والنار لا تحرق، بل تُنقي النظر، حتى ترى ما لا يُرى.
وأمام العرش أيضاً، البحر الزجاجي ذلك، وكأنه مرآة تعكس مجد الجالس، ولكنه مرآة حيّة تتنفس بتسبيح صامت.
ثم سمعتُ الصوت قبل أن أرى المصدر. كان صوتاً كصدى الأمواج في صدفة كونية، صوت المخلوقات الحية. وظهرت، ليست أربعة كائنات فحسب، بل هي ملء الفكرة الحيوية، جواهر الوجود غير المنظور. الأول كأسد، ولكن ليس أسد الغابة، بل أسد فكرة القوة والشجاعة المتجسدة. والثاني كعجل، لكنه عجل القوة الهادئة والعمل الصبور. والثالث له وجه إنسان، وجه الحكمة والعاطفة والذكرى. والرابع كنسر طائر، نسر البصيرة والعلوّ والروح.
وكان لكل واحد منها ستة أجنحة، حولها وعليها أعين لا تحصى، من أمام ومن خلف. أعين ترى الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة واحدة، أعين لا تنام. والأجنحة تتحرك، لا للطيران فقط، بل للتسبيح، كل حركة منها هي نغمة في ترنيمة الدهور.
وهذه الكائنات الحية لا تزال نهاراً وليلاً، وهي تقول: “قدوس، قدوس، قدوس، الرب الإله القادر على كل شيء، الذي كان والكائن والذي يأتي”. كل مرة تقولها، كأنها المرة الأولى، باكتشاف جديد، بهاء متجدد.
وعندما ترفع تلك الكائنات تسبيحها، يسقط الأربعة والعشرون شيخاً أمام الجالس على العرش، ويسجدون للحيّ إلى أبد الآبدين. ويطرحون أكاليلهم الذهبية أمام العرش، في خشوع يقول: إن المجد الذي لنا هو عطية منك، وإليك نرده. ثم يرفعون أصواتهم بتسبحة أخرى: “أنت مستحق أيها الرب، أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة، لأنك أنت خلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك كانت وخُلقت”.
وبقيتُ هناك، أو بقيتُ “أنا” في ذلك الموضع الذي لا مكان له. لم أعد أدري إن كنت أراني أم أنسى نفسي. كان التسبيح يدور كدائرة لا نهاية لها: الكائنات الحية تسبح، فالشيوخ يسجدون، والسجود يولد تسبيحاً جديداً. والبحر الزجاجي يتراءى فيه كل هذا، والبروق تصاحب بالأصوات، والمصابيح تضيء، والنور من حول العرش يغمر الكل.
ولم يكن هناك ليل، ولا نهار، ولا جوع، ولا تعب. كان هناك الكمال. والشيء العجيب أني، في وسط هذا الجلال المهيب، لم أشعر بغربة. بل كأن جزءاً منّي، جزءاً قديماً جداً نسيناه في زحمة الحياة الأرضية، كان يعرف هذا المكان. كان يعرفه، ويشتاق إليه، والآن وجده.
ثم، كما بدأ، انتهى. لا بانزياح صورة، بل كأن نغمة التسبيح ارتفعت إلى درجة لا تسمعها أذن بشرية، فانقطع الاتصال. وعدتُ.
ولكني لم أعد كما خرجت. ففي أذني الداخليّة، كصدى لا يزال يرنّ، دويّ ذلك التسبيح: قدوس، قدوس، قدوس. وعلى عيني بصمة ذلك النور الذي ليس من شمس ولا قمر. وفي قلبي يقين: أن كل ما هو، وكل ما سيكون، يرتكز على ذلك العرش، وعلى ذاك الجالس. والباقي، حتى إن طال، فهو مجرد ظلّ ينتظر اكتمال النور.




